يبدو أن مانشستر يونايتد يقف مجددًا عند مفترق طرق، بعد نهاية مضطربة لعهد المدرب البرتغالي روبن أموريم، الذي لم يستطع التعايش مع الواقع الإداري الجديد الذي فرضته شركة «إينيوس». وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبرز خيار الاستعانة برجال يعرفون النادي من الداخل، مثل أولي جونار سولسكاير ودارين فليتشر، كحل عملي وواقعي لإعادة ترتيب البيت الأحمر.
في نهاية المطاف، لم يكن أموريم مستعدًا لتقبّل فكرة أن يُملى عليه ما يجب فعله. ورغم كونه أول مدرب في تاريخ مانشستر يونايتد يُعيَّن بلقب “مدرب رئيسي” بدلًا من “مدير فني”، إلا أنه سرعان ما أظهر رغبته في امتلاك الصلاحيات الكاملة، والسيطرة المطلقة على كل تفاصيل العمل، دون أي تدخل إداري.
كان من المفترض أن يتوقع أموريم هذا الصدام. فقد سبقه إلى إدراك هذه الحقيقة توماس توخيل، الذي أبدى حماسًا لتدريب يونايتد صيف 2024، قبل أن يتراجع عندما علم أنه لن يمتلك القرار النهائي في سوق الانتقالات. وبحسب المحلل الألماني البارز مارسيل رايف، فإن توخيل، الذي عانى سابقًا من القيود الإدارية في تشيلسي وبايرن ميونخ، تعهّد بألا يكرر الخطأ نفسه.
شعر أموريم بأنه مقيّد، سواء في صفقات الانتقالات أو في أفكاره التكتيكية، وبلغ التوتر ذروته عندما ناقشه مدير الكرة جيسون ويلكوكس حول ضرورة تعديل أسلوب اللعب. كان لويلكوكس أسبابه المنطقية، في ظل تراجع النتائج وإهدار نقاط في مباريات كان من الممكن الفوز بها، لكن المدرب البرتغالي رفض أي تنازل، وأصر على موقفه.
هذا الصراع على الصلاحيات ليس جديدًا في مانشستر يونايتد. فقد دخل إريك تين هاج هو الآخر في مواجهة مباشرة مع الإدارة بسبب رغبته في التحكم الكامل، بما في ذلك امتلاك حق النقض على الصفقات. ويبدو أن الهيكل الصارم الذي فرضته «إينيوس» سيؤدي إما إلى عزوف مدربين بارزين مثل أوناي إيمري وأوليفر جلاسنر، أو إلى فشل أي مشروع جديد خلال فترة قصيرة.
الغرباء لا يفهمون مانشستر يونايتد
من الصعب على من يأتي من الخارج أن يدرك طبيعة مانشستر يونايتد. فطالما أرادت «إينيوس» فرض سيطرتها بميزانية محدودة، فإن الحل المنطقي يتمثل في الاعتماد على أشخاص يعرفون النادي جيدًا، ويضعون مصلحته فوق طموحاتهم الشخصية.
وقد عبّر فيل جونز، مدافع يونايتد السابق، عن هذه الحقيقة بقوله إن “ارتداء قميص مانشستر يونايتد أمر مرهق”. وهو أمر أثبتته تجارب جميع المدربين منذ اعتزال السير أليكس فيرجسون.
وديفيد مويس صُدم بحجم الضغط مقارنة بإيفرتون، بينما فوجئ لويس فان جال وجوزيه مورينيو، رغم خبرتهما في أكبر الأندية، بثقل المهمة في أولد ترافورد.
الأضواء أكبر من الجميع
دخل تين هاج يونايتد كأحد أكثر المدربين طلبًا في أوروبا، وكان أموريم بدوره ضمن حسابات ليفربول ومانشستر سيتي. ومع ذلك، لم ينجح أي منهما في التأقلم مع أجواء الدوري الإنجليزي الممتاز، ولا مع الضغط الإعلامي الهائل المصاحب لتدريب مانشستر يونايتد.
لم يُخفِ تين هاج استياءه من تحليلات جيمي كاراجر على «سكاي سبورتس»، بينما بدا أن أموريم، رغم ادعائه عدم الاكتراث للإعلام، قد تأثر بشدة بانتقادات جاري نيفيل، التي وصفها سابقًا بأنها هجوم دائم على كل شيء.
الأشخاص الوحيدون القادرون على فهم عراقة هذا النادي هم أولئك الذين عاشوا داخله سنوات طويلة. ولهذا، يبرز أولي جونار سولسكاير، ودارين فليتشر، ومايكل كاريك كخيارات منطقية في هذه المرحلة. هؤلاء لا يحتاجون إلى دروس تعريفية بطبيعة العمل في يونايتد، ويدركون أن كل كلمة تُقال في أولد ترافورد يمكن أن تتحول إلى عنوان عالمي.
تحسين الأجواء قبل النتائج
يدرك هؤلاء أيضًا ما الذي يحفّز لاعبي مانشستر يونايتد، ويعلمون أن الدخول في صدامات علنية مع عناصر الفريق الأول غالبًا ما يكون قرارًا كارثيًا. لم ينتقد سولسكاير لاعبيه علنًا خلال فترته، بل نجح في تحويل أجواء الإحباط التي خلفها مورينيو إلى سلسلة من 14 فوزًا في أول 17 مباراة.
ورغم التقلبات والنتائج القاسية التي شهدتها فترته، مثل الخسارة 5-0 أمام ليفربول و6-1 أمام توتنهام، فإن سولسكاير يبقى المدرب الوحيد بعد فيرجسون الذي أنهى موسمين كاملين ضمن الأربعة الكبار. كما قاد الفريق إلى نهائي الدوري الأوروبي وثلاثة نصف نهائيات محلية، وجعل النادي مكانًا أكثر هدوءًا وسعادة.
الحماس بدل الترهيب
فهم سولسكاير أن الترغيب أكثر فعالية من الترهيب في مانشستر يونايتد. لم يصف فريقه يومًا بأنه “الأسوأ في التاريخ”، ولم يسخر من لاعبين مثل ماركوس راشفورد أو أليخاندرو جارناتشو، ولم يهاجم أكاديمية النادي، التي تمثل أحد أعمدة هويته.
وعلى عكس ذلك، أسهمت تصريحات أموريم القاسية في زعزعة ثقة اللاعبين، ما جعل من الصعب على أي لاعب أن يقدم أفضل ما لديه تحت قيادة مدرب ينتقده باستمرار أمام الإعلام.
ويُعد دارين فليتشر، مدرب فريق تحت 18 عامًا، خيارًا واقعيًا في الوقت الحالي، خاصة مع خبرته الطويلة داخل النادي كلاعب وإداري منذ عام 2020. كما يظل مايكل كاريك، الذي تولى تدريب الفريق مؤقتًا بعد إقالة سولشاير، خيارًا مطروحًا.
من المرجح أن يحظى أي من هؤلاء بترحيب إيجابي من اللاعبين والجماهير، خاصة أن فترة سولشاير شهدت واحدة من أفضل الأجواء في أولد ترافورد خلال العقد الأخير.
منطق مالي لا يمكن تجاهله
لا يمكن تجاهل البعد المالي في هذه المعادلة. فقد أنفق يونايتد أكثر من 42 مليون جنيه إسترليني خلال عام واحد على قرارات إدارية فاشلة، بينها إقالة تين هاج وفريقه، ثم رحيل مدير الكرة دان آشورث، وأخيرًا تكلفة التعاقد مع أموريم وإنهاء عقده، في ظل ديون قياسية بلغت 1.29 مليار جنيه إسترليني.
في هذا السياق، يصبح الاعتماد على أبناء النادي خيارًا اقتصاديًا ومنطقيًا، خاصة أن سولسكاير وأمثاله لا يسعون وراء المال بقدر رغبتهم في إنقاذ النادي الذي يحبونه.
العودة إلى الجذور
قد تبدو إعادة تعيين سولسكاير أو منح الفرصة لفليتشر أو كاريك خطوة إلى الوراء، لكنها في الواقع قد تكون الطريق الوحيد لاستعادة روح مانشستر يونايتد، بعد سنوات من التآكل الإداري والرياضي. فبعد عامين من فقدان الهوية، حان الوقت لأن يعود مانشستر يونايتد إلى جذوره.



