الرياضة نت / عادل حويس
يمتد ظل كأس افريقيا للأمم طويلاً فوق الرباط كأنه سؤال معلق في سماء المدينة يطرق أبواب الذاكرة والخيال معاً.
في هذه الليلة لا تبدو العاصمة المغربية مجرد مسرح لنهائي كروي بل فضاء رمزيا تتقاطع فيه أحلام شعبين وتختصر فيه حكاية قارة بأكملها تبحث عن بطل جديد يعتلي العرش. الأضواء التي تشتعل مع حلول المساء لا تنير أرضية الملعب فقط بل تكشف عن مواجهة تتجاوز حدود الرياضة لتلامس معنى الانتماء والكبرياء والهوية.
يصل المنتخبان إلى المحطة الأخيرة بعد رحلة شاقة عبر دروب إفريقية مليئة بالمفاجآت والاختبارات القاسية. كلاهما يحمل في ذاكرته طعم التتويج وكلاهما يعرف أن المجد لا يعترف إلا بلحظة الرفع الأخيرة للكأس.
في مثل هذه المباريات لا يعود للتاريخ سوى قيمة الإلهام بينما يصبح الحاضر ساحة صراع خالص لا مكان فيها إلا لمن يملك الجرأة والهدوء معاً.
يدخل المنتخب المغربي النهائي وهو محاط بعامل الأرض والجمهور ذلك الامتياز الذي يمنح دفعة معنوية هائلة لكنه في الوقت ذاته يفرض حملا نفسيا مضاعفا. المدرجات الممتلئة لا تطلب سوى الانتصار والهتاف الذي يعلو منذ الإحماء الأول يذكر اللاعبين بأنهم لا يمثلون فريقا فقط بل حلما وطنيا طال انتظاره. أسود الأطلس يظهرون بثوب الانضباط والصرامة فريق يعرف كيف يحمي منطقته وكيف يتحلى بالصبر قبل أن يوجه ضربته في اللحظة المناسبة. هنا لا شيء يترك للصدفة فكل حركة محسوبة وكل اندفاع موزون بميزان العقل قبل الحماس.
على الجهة الأخرى يقف المنتخب السنغالي بثقة من اعتاد طرق أبواب النهائيات دون أن تهتز أعصابه.
هو فريق تشكل عبر سنوات من التجارب وتعلم كيف يتعامل مع ضغط اللحظات الكبيرة ببرودة أعصاب لافتة. أسود التيرانغا لا يبدون مستعجلين وكأنهم يدركون أن المباريات الكبرى تكسب بالنفس الطويل لا بالاندفاع المبكر. في لعبهم مزيج من القوة والمرونة، ومن الجرأة والانضباط ما يجعلهم خصما يعرف كيف يفرض إيقاعه حتى في أكثر الأجواء عدائية.
المواجهة بين المنتخبين تحمل في طياتها صراعا تكتيكيا عميقا دفاع منظم في مواجهة هجوم متحرر عقلانية حذرة أمام رغبة دائمة في المبادرة.
التفاصيل الصغيرة ستكون الفيصل تمريرة زائدة تركيز لحظة أو قرار في توقيت حساس. الجمهور سيشكل موجة دعم هائلة لأصحاب الأرض لكنه قد يتحول أيضا إلى عامل ضغط إذا طال الانتظار أو تعقدت الأمور. في مثل هذه الليالي يصبح الصمت أحيانا أكثر ثقلا من الضجيج.
وتزيد الغيابات والظروف المحيطة بالمباراة من توتر المشهد إذ يضطر كل مدرب إلى إعادة ترتيب أوراقه والبحث عن حلول بديلة دون الإخلال بتوازن الفريق. هنا تبرز قيمة العمق الذهني قبل الفني وقدرة اللاعبين على التعويض والتكيف مع المستجدات.
إنها مباراة تختبر شخصية المجموعة بقدر ما تختبر مهارات الأفراد.
يحمل هذا النهائي بعدا رمزيا آخر كونه مواجهة بين شمال القارة وغربها بين مدرستين كرويتين لهما جذورهما وأساليبهما وتاريخهما المختلف. ليس الأمر صراع تفوق جغرافي بقدر ما هو حوار كروي مفتوح يعكس تنوع إفريقيا وغناها وتعدد روافدها.
في كل لمسة ثمة قصة وفي كل هجمة صدى لمنافسات قديمة وذكريات لا تزال حاضرة في الوجدان.
ومع اقتراب صافرة البداية تبدو السيناريوهات مفتوحة على مصراعيها. قد تحسم الأمور بلحظة إلهام وقد تمتد المعركة حتى آخر قطرة تركيز.
الأعصاب ستكون على المحك والقلوب ستخفق مع كل كرة تقترب من المرمى. وبين شد وجذب ستتجلى حقيقة واحدة: هذه ليست مجرد مباراة بل امتحان لإرادة شعبين وحلم قارة.
وحين يطلق الحكم صافرة النهاية ستنتهي الحكاية على أرض الملعب لكنها ستبدأ في الذاكرة.
إما احتفالات تعم شوارع الرباط وتلتف حول أسوارها العتيقة أو أفراح تعبر المسافات وتصل إلى ضفاف الأطلسي الإفريقي.
في كل الأحوال ستتوج إفريقيا بطلا جديدا وسيكتب اسم الفائز بحروف من نور في سجل لا يعترف إلا بمن امتلك الشجاعة لانتزاع المجد في ليلة لا تشبه سواها.



