في نهائي كأس أمم أفريقيا 2025 المليء بالتوتر، حاول إبراهيم دياز، نجم منتخب المغرب، تسجيل هدف حاسم يبقى في الذاكرة طويلًا بركلة جزاء على طريقة “بانينكا”، لكنه واجه كابوسًا بعد أن فشلت مساعيه في توقيت حسّاس.
مر حوالي 17 دقيقة بين حصول المغرب على ركلة جزاء في وقت متأخر من الوقت بدل الضائع، وبدء دياز خطواته لتنفيذ الركلة.
تباطأ مهاجم ريال مدريد عند الاقتراب من الكرة، ولعب كرة ضعيفة نحو المنتصف، لكن الحارس إدوارد ميندي لم يتحرك، أمسك بالكرة بسهولة، وتوجهت المباراة إلى الوقت الإضافي، ليخرج منتخب السنغال فائزا.
كانت لحظة مأساوية لدياز، الذي بدا مذهولًا عند تسلمه الحذاء الذهبي كأفضل هداف للبطولة من رئيس الفيفا جياني إنفانتينو بعد انتهاء المباراة.
لم تكن هذه أول مرة تخفق فيها “بانينكا” مؤخرًا، ما دفع “بي بي سي” لنشر تقرير تتساءل فيه: هل اللعب بهذه الطريقة الخيار الأسوأ لمن ينفذ ركلة من علامة الجزاء؟.
من أين جاءت “بانينكا”؟
سُميت الركلة على اسم أنتونين بانينكا، الذي نفذ ركلة جزاء شهيرة برفق نحو المنتصف ليقود تشيكوسلوفاكيا للفوز ببطولة أوروبا 1976.
انتهت المباراة ضد ألمانيا الغربية، حاملة اللقب، بالتعادل 2-2 بعد الوقت الإضافي في يوغوسلافيا، واحتاج الفريقان إلى ركلات ترجيح لتحديد الفائز.
عندما أضاع أولي هونيس ركلته فوق العارضة، أتيحت الفرصة لبانينكا ليقود فريقه نحو الفوز.
بعد خطوات قصيرة، رفع الكرة برقة نحو منتصف المرمى ليخدع الحارس سيب ماير، ويحسم البطولة لتشيكوسلوفاكيا.
ولم تكن هذه أول محاولة من بانينكا لهذا الأسلوب، فقد سجل بهذه الطريقة أيضًا مع ناديه بوهيماز ضد دوكلا براغ قبل شهر فقط، لكن تنفيذ الركلة في النهائي الأوروبي منح التقنية شهرة واسعة، ومن هنا وُلدت “بانينكا”.
دياز ليس ضحية ميندي الأولى
خلال الخمسين عامًا التي تلت شهرة بانينكا، أصبحت هذه الركلة أكثر شيوعًا تدريجيًا. عدد من النجوم، بينهم ليونيل ميسي، تييري هنري، وفرانشيسكو توتي، استخدموا هذه الطريقة بنجاح.
يمكن القول إن أسطورة فرنسا زين الدين زيدان نفذ أكثر ركلة بانينكا ضغطًا نفسيًا في نهائي كأس العالم 2006، عندما ارتدت كرته من العارضة وأسكنت الشباك بالكاد.
إنجلترا عانت من هذه الركلة عدة مرات في ركلات الترجيح، أبرزها عندما تغلب أندريا بيرلو على جو هارت في ربع نهائي يورو 2012، ليغيّر مسار المباراة.
وقال بيرلو “بالنسبة لي، بدا هارت واثقًا جدًا، وكان عليّ فعل شيء لكسره نفسيًا. ركلات الجزاء مسألة شخصية، وعندما رأيته يتحرك، قررت أن أفعل ذلك”.
وبالمثل في نهائي كأس الرابطة 2022، نفذ فابينيو ركلة بانينكا أمام تشيلسي، بينما حاول كپا أريزابالاجا إلهاء لاعبي ليفربول، ما أسعد جماهير الريدز. وفي النهاية، فاز ليفربول 11-10 بركلات الترجيح.
ومع كل النجاحات، فإن دياز ليس الأول الذي يفشل بشكل بارز. ففي 1992، حاول جاري لينكر معادلة رقم بوبي تشارلتون مع إنجلترا لكنه أخفق في بانينكا، وأضاع فرصة تسجيل الهدف الـ49.
وفي مايو 2021، بدا سيرجيو أجويرو ضعيفًا أمام تشيلسي بعد أن حاول تنفيذ بانينكا وتصدى ميندي لها، تمامًا كما حدث لدياز.
اختيار زاوية أم اللعب في المنتصف؟
لا شك أن الانتقادات تكون أشد بكثير إذا فشل اللاعب في تنفيذ ركلة بانينكا مقارنة بمحاولة عادية نحو زاوية المرمى.
وقال لي ترندل، مهاجم بريستول سيتي وسوانزي السابق، لـ”بي بي سي”، “ستجد أن الناس يشتكون لأنها تُرى كشيء مختلف.”
ترندل، المعروف بمحاولاته لتنفيذ لمسات وحركات مبهرة، كان ينفذ ركلات جزاء طوال مسيرته، وعلى الرغم من أنه لم ينفذ بانينكا كمحترف، إلا أنه نجح في تنفيذها خلال مسيرته شبه الاحترافية.
وأضاف “أرى أن بانينكا مجرد طريقة أخرى لتسجيل ركلة جزاء. إذا وضعت الكرة إلى اليسار أو اليمين وارتمى الحارس بشكل صحيح وتمكن من صدها، فهذا نفس الشيء إذا نفذت بانينكا وبقي الحارس في المنتصف وصدها. أما إذا نجحت، فالجميع سيقول كم هي رائعة.”
تشير إحصائيات شبكة “أوبتا” إلى أن اللعب نحو المنتصف قد يكون الخيار الأمثل، سواء عبر بانينكا أو بالقوة، حيث إن 84٪ من الركلات التي نفذت في المنتصف في كأس العالم (منذ 1966) وكأس أمم أوروبا (منذ 1980) كانت ناجحة وسكنت الشباك.
بالمقارنة، كانت النسبة 78٪ عند التنفيذ نحو اليسار و74٪ نحو اليمين.
استمر هذا الاتجاه في كأس الأمم الأفريقية 2025، حيث سُجلت 6 من أصل 8 ركلات نُفذت نحو المنتصف، أي بنسبة 75٪، مقارنة بـ12 من 18 (67٪) للركلات نحو اليسار، و11 من 16 (69٪) نحو اليمين.
خطوات دياز تكشف نيته
فما هو التفكير وراء اختيار تنفيذ ركلة بانينكا؟ هل هو قرار غريزي في لحظة التنفيذ أم شيء مخطط له مسبقًا؟
يقول ترندل “عندما نفذتها، كان الأمر مرتبطًا بكيفية سير المباراة”.
وأضاف “قد تلعب بشكل جيد وتشعر بالثقة. أعتقد أنه في المراحل المتأخرة من المباراة يكون أفضل، لأن الحارس عادة ما يرتمي للزاوية. إذا كانت النتيجة 1-1 وبقيت 5 دقائق، فغالبًا لن يقف في المنتصف ويترك الكرة تدخل في إحدى الزوايا”.
وهذا ربما يفسر تفكير دياز حين افترض أن ميندي سيضطر للارتماء، لكن في هذه الحالة، لاحظ الحارس السنغالي شيئًا ما في خطوات دياز وظل في مكانه.
ربما هذا هو سبب الإحباط الإضافي بعد فشل بانينكا، لأنه بينما قد يُظهر اللاعب عن غير قصد اتجاه تسديدته، فإن وضع الكرة في الزاوية قد لا يضمن وصول الحارس إليها.
أما إذا كشفت أنك ستلعب نحو المنتصف، فلا يوجد مثل هذا الهامش من الخطأ.
وقال ترندل عن التأخير الطويل قبل تنفيذ دياز للركلة “من المحتمل أنه غيّر رأيه عدة مرات في تلك اللحظة. إذا كنت في المباراة وحصلت على ركلة جزاء، حتى لو لبضع دقائق، فإن ذلك يتسلل إلى ذهنك. في تلك اللحظات الصغيرة، سترى المدافعين يقتربون ويتحدثون مع منفذ الركلة والحارس يخرج لمراقبة الكرة. كلما طال وقت تنفيذ الركلة، زادت فرص الحارس لصالحه”.
ويضيف ترندل “أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه منفذ ركلة الجزاء هو تغيير رأيه أثناء الاقتراب. وعلى الرغم من أن فشل بانينكا قد يؤدي إلى انتقادات شديدة، فإن وجودها كخيار ينبغي أن يفيد المهاجم فقط”.
وتابع “إذا أضفت خيار بانينكا مرة أخرى، فإن ذلك يضيف ضغطًا جديدًا على الحارس، لأنه بدلًا من الاختيار بين اليسار أو اليمين، أصبح أمامه 3 خيارات: يسار، يمين، أو المنتصف. وهذا يجب أن يكون في صالح اللاعب”.



