يبدو وكأن خطي مسيرة محمد صلاح وكأس العالم يسيران في اتجاهين متوازيين لا يلتقيان، رغم كل ما قدمه النجم المصري من إنجازات فردية وتاريخية مع ليفربول والمنتخب المصري.
ففي كل مرة يقترب فيها من الحلم العالمي، تتدخل عوامل مفاجئة لتضع مسافة جديدة بين الملك المصري وبين المسرح الأكبر في كرة القدم.
بطل قومي.. ولكن
تأهلت مصر إلى مونديال 2018 بفضل ركلة جزاء صلاح التاريخية أمام الكونغو، التي منحت الفراعنة أول ظهور في كأس العالم منذ 1990، ورسخت صورته كبطل قومي حمل المنتخب على كتفيه في التصفيات.
بالتوازي، كان صلاح يعيش موسما أيقونيا مع ليفربول 2017-2018، مسجلا 44 هدفاً و16 تمريرة حاسمة في كل المسابقات، بينها 32 هدفا في الدوري الإنجليزي، وهو رقم قياسي وقتها في موسم من 38 جولة (حطمه إيرلنج هالاند لاحقا).
لكن رغم أن كل المعطيات كانت تقول إن المونديال سيكون منصة تتويج لهذا التألق، جاءت التفاصيل لتكتب سيناريو مختلفا تماما.
روسيا 2018.. راموس يبدد الحلم
في نهائي دوري أبطال أوروبا 2018 أمام ريال مدريد، تعرض صلاح لاحتكاك شهير مع سيرجيو راموس أدى إلى إصابة قوية في الكتف، أجبرته على الخروج باكيا بعد أقل من نصف ساعة من بداية المباراة.
التقارير الطبية تحدثت عن إصابة في أربطة مفصل الكتف وحاجة لفترة علاج تقارب أسبوعين فقط قبل المونديال، لكن الوقت لم يكن كافيا ليصل إلى كامل جاهزيته.
نتيجة لذلك، جلس صلاح على مقاعد البدلاء في مباراة الافتتاح أمام أوروجواي، ولم يشارك ولو لدقيقة، لتخسر مصر 1-0 بهدف قاتل في الدقائق الأخيرة، في غياب نجمها الأهم عن أول مباراة لها في كأس العالم بعد غياب 28 عاما.
وعندما عاد أمام روسيا والسعودية، سجل هدفين، أحدهما من علامة الجزاء أمام روسيا والآخر من انفراد جميل أمام السعودية، لكن الفراعنة خسروا المباراتين 3-1 و2-1 وودعوا البطولة بثلاث هزائم كاملة.
هكذا انتهى أول مونديال لصلاح، لاعب جاء وهو في قمة مستواه، لكنه لم يلحق بالبداية، ولعب بنصف قوته في باقي المباريات.
بين ذروة ليفربول وقهر السنغال.. ضياع حلم قطر 2022
ما بعد روسيا لم يكن هدوءا، بل اشتعالا في مستوى صلاح مع ليفربول، فمنذ موسم 2017-2018 وحتى 2024-2025، لم ينخفض رصيد أهدافه في أي موسم عن 23 هدفا، مسجلاً 27 و23 و31 و31 و30 و25 و34 هدفا في مواسم متتالية، مع حصيلة صناعة أهداف ضخمة أبرزها 23 تمريرة حاسمة في 2024-2025.
تلك الأرقام رسخته كأحد أفضل هدافي جيله في أوروبا، وكسلاح هجومي أول لا غنى عنه في آنفيلد.
في المقابل، عجز المنتخب عن تحويل هذا التوهج الفردي إلى حضور مستمر في كأس العالم، فبعد بلوغ نهائي كأس أمم أفريقيا 2021 والخسارة أمام السنغال بركلات الترجيح، تجددت المواجهة في ملحق التصفيات المؤهل لمونديال قطر 2022.
مصر فازت ذهابا 1-0 في القاهرة، قبل أن تخسر إيابا بذات النتيجة في داكار، وتذهب الأمور إلى ركلات الترجيح وسط مشهد شهير لليزر أخضر يغطي وجوه اللاعبين المصريين.
في تلك اللحظات، تقدم صلاح لتسديد أول ركلة لمصر، لكنه أرسل الكرة عاليا، فيما سجل ساديو ماني ركلة الفوز الحاسمة للسنغال، ليضمن أسود التيرانجا بطاقة التأهل إلى قطر، ويتركون صلاح خارج المونديال وهو في قمة مسيرته الفنية والبدنية.
وهكذا ضاعت فترة التوهج الأعظم لصلاح مع ليفربول، من دون حضور في كأس العالم.
طريق 2026.. صلاح “العجوز” يقود الفراعنة للحلم مجددا
مع بدء تصفيات كأس العالم 2026، بدا أن الفرصة جاءت لصلاح ومنتخب مصر لإعادة كتابة القصة.
مصر تصدرت مجموعتها الأفريقية، وضمنت التأهل مباشرة إلى المونديال بعد فوز كاسح على جيبوتي 3-0 في الدار البيضاء، في مباراة سجل فيها صلاح هدفين بينما أحرز إبراهيم عادل الهدف الثالث.
وبنهاية مشوار التصفيات، كان صلاح قد سجل 9 أهداف كاملة، ليكون الهداف الأول لحملة عودة الفراعنة إلى كأس العالم بعد غياب نسخة قطر.
لكن هذه العودة جاءت في توقيت مختلف من مسيرته، صلاح اليوم يبلغ من العمر 34 عاما، ولم يعد هو نفس الجناح المرعب الذي حطم أرقام الدوري الإنجليزي قبل 8 سنوات، حتى لو احتفظ بجودة فنية وخبرة استثنائية.
المفارقة أن التصفيات نفسها أكدت أنه ما زال قادراً على الحسم بقميص المنتخب، لكن مستواه خلال الموسم مع ليفربول يكشف عن تراجع طبيعي يفرضه الزمن.
أرقام لا تشبه الملك
أرقام صلاح في موسم 2025-2026 مع ليفربول تقدم مؤشرا واضحاً على هذا التراجع النسبي.
ففي الدوري الإنجليزي، سجل حتى منتصف مارس/ آذار 5 أهداف فقط وصنع 6 في 21 مباراة، أي أنه يساهم في هدف واحد تقريبا كل مباراتين، وهو معدل أقل بكثير مما اعتاد عليه في سنواته الذهبية.
كما لعب حوالي 1794 دقيقة في الدوري، ما يعكس مشاركته المنتظمة، لكن دون نفس الفاعلية التهديفية التي جعلته سابقا مرشحا دائما للقب الهداف.
وللمقارنة، يكفي التذكير بأنه في موسمه الأول مع ليفربول 2017-2018 سجل 44 هدفاً وقدم 16 تمريرة حاسمة في مختلف البطولات، وفي مواسم لاحقة ظل يتجاوز حاجز 25–30 هدفا بانتظام، بما في ذلك 34 هدفا و23 تمريرة حاسمة في 2024-2025. أمام هذا التاريخ، تبدو حصيلة 5 أهداف فقط في الدوري حتى الربيع، كأنها انعكاس لنجم ما زال حاضرا بالاسم والأثر، لكن جزءا كبيرا من توهجه التهديفي قد تبخر تحت وطأة السن.
نجم أسطوري وقطار لا ينتظر
بين إصابة كتف قاسية أمام راموس في 2018، وركلات ترجيح ضاعت أمام السنغال في طريق قطر 2022، ثم مواسم توهج أعقبها تراجع بدني طبيعي مع اقترابه من منتصف الثلاثينيات، تشكلت حكاية جفاء بين محمد صلاح وكأس العالم، حكاية نجم أسطوري لم ينل من المونديال ما يوازي ما قدمه للعبة.
اليوم يعود صلاح إلى كأس العالم 2026 قائدا لمصر، لكن ليس بنفس النسخة المخيفة التي أرعبت دفاعات أوروبا، بل بنسخة باهتة بحكم الزمن.
وربما تكون هذه المفارقة هي جوهر القصة، فقطار المونديال لا يتوقف، يمضي في مواعيده الصارمة، بينما يحتاج اللاعب إلى ذروة قصيرة ومحددة زمنيا كي يراه العالم في أفضل نسخة.
في حالة صلاح، مرت الذروة إلى حد كبير خارج محطة كأس العالم، ليبقى السؤال مفتوحا: هل يكفي ما تبقّى من وهج النجم المصري ليكسر لعنة المونديال أخيرا، أم أن الزمن قرر أن يبقى هذا الخطان متوازيين حتى النهاية؟



