قبل أقل من شهرين فقط على انطلاق كأس العالم 2026، فجّر الاتحاد السعودي لكرة القدم واحدة من أكثر القرارات الجريئة، بإقالة الفرنسي هيرفي رينارد من تدريب المنتخب الأول، في توقيت بالغ الحساسية لا يحتمل الكثير من التجارب أو الحسابات الخاطئة.
القرار لم يتوقف عند إنهاء حقبة رينارد، بل امتد إلى تسليم المهمة لليوناني جورجوس دونيس، مدرب الخليج، من أجل قيادة “الأخضر” في المونديال المرتقب، في خطوة تحمل بين طياتها مزيجًا من الرغبة في الإنقاذ والمغامرة غير المضمونة.
وبين من يرى أن التغيير كان ضرورة حتمية بعد تراجع النتائج وفقدان الهوية، ومن يعتبره مقامرة خطيرة قبل الحدث الأكبر، يبقى السؤال الأهم: هل أنقذ الاتحاد السعودي المنتخب من أزمة فنية، أم أنه فتح الباب أمام مخاطرة قد يدفع ثمنها الجميع في كأس العالم؟.
هوية مفقودة
عاد رينارد لقيادة المنتخب السعودي في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2024، وسط حالة من التفاؤل الكبير من الجماهير، التي رأت في عودته فرصة لاستعادة شخصية “الأخضر” بعد فترة مضطربة تحت قيادة الإيطالي روبرتو مانشيني.
رينارد دخل المشهد وهو يحمل وعودًا واضحة بإعادة المنتخب إلى الطريق الصحيح، مستندًا إلى تجربته السابقة التي شهدت عدة نجاحات ومعرفته الكاملة بطبيعة اللاعب السعودي، وهو ما جعل قطاعًا واسعًا من الجماهير يعتقد أن الأزمة ستنتهي سريعًا بمجرد عودته إلى مقعد القيادة.
وخلال فترة مانشيني، فقد المنتخب الكثير من هويته الهجومية، حيث ظهر الفريق بلا شخصية واضحة، وعانى من غياب الحلول في الثلث الأخير، إلى جانب تراجع الروح المعنوية وافتقاد الانسجام داخل المجموعة، ما جعل التغيير مطلبًا جماهيريًا وإعلاميًا.
لكن المفاجأة أن عودة رينارد لم تحمل التحول المنتظر، بل استمرت المعاناة بشكل واضح، حيث لم ينجح المدرب الفرنسي في إعادة الشكل المعروف للمنتخب، وظل الأداء باهتًا، مع غياب الفاعلية الهجومية وتراجع الحضور الذهني في المباريات الكبرى.
وبدلًا من أن يكون رينارد هو الحل، وجد نفسه جزءًا من الأزمة، إذ لم يظهر المنتخب بصورة مقنعة، واستمرت علامات الاستفهام حول المشروع الفني، لتتحول العودة التي بدأت بالأمل إلى حالة جديدة من الإحباط، وتبقى الهوية المفقودة هي العنوان الأبرز لمرحلة الأخضر الأخيرة.
حل سريع لإنقاذ الموقف
استمر التراجع الفني للمنتخب السعودي تحت قيادة رينارد، حتى وصلت الأزمة إلى ذروتها خلال التوقف الدولي الأخير، بعدما تلقى “الأخضر” خسارتين صادمتين أمام منتخبي مصر وصربيا، في مواجهتين كشفتا حجم المعاناة الفنية والذهنية داخل الفريق قبل فترة قصيرة للغاية من انطلاق كأس العالم 2026.
المنتخب ظهر بصورة باهتة، دون شخصية واضحة أو رد فعل حقيقي داخل الملعب، وهو ما زاد من حالة القلق الجماهيري، خاصة أن الوقت لم يعد يسمح بمزيد من التجارب أو الانتظار، في ظل اقتراب الحدث الأكبر الذي يتطلب جاهزية كاملة على جميع المستويات.
ومع تصاعد الانتقادات من الجماهير والإعلام، وجد الاتحاد السعودي لكرة القدم نفسه أمام معضلة حقيقية؛ هل يستمر مع رينارد حتى المونديال على أمل استعادة التوازن في اللحظات الأخيرة، أم يتخذ قرارًا صادمًا بإقالته والبحث عن مدرب جديد قادر على إنقاذ ما تبقى من الوقت؟
الاستمرار مع المدرب الفرنسي كان يحمل مخاطرة كبيرة، خاصة مع فقدان الثقة في المشروع الفني، بينما كان التغيير قبل أسابيع قليلة من البطولة يبدو مغامرة لا تقل خطورة، لأن أي مدرب جديد سيحتاج إلى وقت لا يملكه المنتخب أصلًا.
لكن تحت ضغط النتائج، وغضب الشارع الرياضي، ورغبة المسؤولين في اتخاذ خطوة سريعة قبل فوات الأوان، حسم الاتحاد السعودي قراره باللجوء إلى دونيس، باعتباره خيارًا يعرف الكرة السعودية جيدًا، ويمتلك خبرة سابقة في التعامل مع طبيعة اللاعب المحلي.
الرهان هنا لم يكن على مشروع طويل الأمد، بل على “حل سريع” يعيد التوازن ويمنح المنتخب فرصة للظهور بصورة أفضل في كأس العالم، حتى لو كان ذلك عبر محاولة إسعاف أخيرة لموقف بدا معقدًا للغاية قبل صافرة البداية.
مخاطرة كبرى
في المقابل، لا يمكن النظر إلى تعيين دونيس على أنه حل مثالي بالكامل، بل يحمل القرار في داخله قدرًا كبيرًا من المخاطرة، خاصة أن الوقت المتبقي قبل انطلاق كأس العالم 2026 لا يمنح أي مساحة حقيقية للتجربة أو البناء التدريجي.
من المفترض أن يبدأ دونيس مهمته رسميًا عقب نهاية الموسم مع الخليج، ما يعني أنه سيدخل مباشرة في أجواء المونديال دون فترة إعداد كافية، وهي واحدة من أصعب السيناريوهات التي يمكن أن يواجهها أي مدرب جديد يتولى قيادة منتخب بحجم المنتخب السعودي.
المشكلة الأكبر لا تتعلق فقط بضيق الوقت، بل بغياب الفرصة الكاملة لمتابعة اللاعبين عن قرب، وفهم جاهزيتهم الفنية والبدنية والنفسية قبل اتخاذ قرار مصيري يتعلق بالقائمة النهائية، فاختيار عناصر كأس العالم لا يعتمد فقط على الأسماء، بل على التفاصيل الدقيقة التي تحتاج إلى وقت طويل للمراقبة والتقييم.
وبالتالي، سيكون دونيس مطالبًا باتخاذ قرارات حاسمة خلال فترة قصيرة جدًا، دون رفاهية التجربة أو تصحيح الأخطاء، وهو ما يضعه تحت ضغط هائل منذ اليوم الأول، لأن أي قرار خاطئ قد يتحول إلى أزمة حقيقية داخل البطولة.
كما أن المدرب اليوناني لن يملك سوى مباراتين وديتين على أقصى تقدير قبل بداية كأس العالم، وهي فترة لا تكفي عمليًا لبناء هوية فنية جديدة أو ترسيخ أسلوب لعب واضح، بل بالكاد تمنحه فرصة سريعة لتوصيل أفكاره الأساسية للاعبين.
وسيكون عليه خلال هذه الفترة القصيرة أن يعيد الانضباط التكتيكي، ويختار التشكيلة الأنسب، ويحدد طريقة اللعب التي سيخوض بها البطولة، إلى جانب استعادة الثقة المفقودة داخل المجموعة، وهي مهمة تبدو أقرب إلى سباق مع الزمن أكثر من كونها مشروعًا فنيًا متكاملًا.
هل يدفع المنتخب السعودي الثمن؟
صحيح أن الاتحاد السعودي لكرة القدم كان يرى في إعادة رينارد خطوة لإصلاح الكثير من المشكلات الفنية والتكتيكية داخل المنتخب، إلى جانب استعادة الثقة المفقودة لدى نجوم “الأخضر”، خاصة بعد المرحلة الصعبة التي عاشها الفريق تحت قيادة مانشيني، إلا أن المشكلة الحقيقية لم تكن فقط في الاختيار، بل في الإصرار على الانتظار أكثر من اللازم.
رينارد كان قد قال بوضوح قبل رحيله عن المنتخب في ولايته الأولى، إنه لم يعد قادرًا على تقديم شيء جديد للكرة السعودية، وهو تصريح كان يحمل دلالة فنية مهمة، لأن المدرب نفسه كان يدرك أن المشروع وصل إلى نهايته الطبيعية، وأن إعادة التجربة قد لا تحمل الإضافة المنتظرة.
ورغم ذلك، قرر الاتحاد السعودي إعادة المدرب الفرنسي مجددًا، في خطوة بدت وكأنها محاولة للعودة إلى الحل الآمن بدلًا من البحث عن مشروع جديد، مستندًا إلى نجاحاته السابقة وعلاقته الجيدة مع اللاعبين، دون النظر بعمق إلى التحذير الواضح الذي خرج من المدرب نفسه.
ومع مرور الوقت، أثبتت النتائج عمليًا أن رينارد لم يكن يملك الجديد فعلًا، حيث ظهرت مستويات باهتة، ونتائج كارثية على مختلف الأصعدة، مع غياب واضح للهوية الفنية، واستمرار الشكوى من ضعف الجودة وقلة الحلول داخل الملعب، في وقت كان المنتخب بحاجة إلى مدرب يصنع الفارق لا إلى من يكرر نفس المشكلات.
الأزمة الأكبر أن المدرب الفرنسي لم ينجح في إيجاد حلول تكتيكية حقيقية، بل اعتمد على أفكار بدت محدودة وعقيمة في كثير من المباريات، ما جعل المنتخب يفقد شخصيته تدريجيًا، دون أي مؤشرات على تحسن حقيقي قبل المونديال.
ورغم كل هذه المؤشرات، استمر الاتحاد السعودي في منحه الوقت والدعم، حتى أصبح التراجع أمرًا يصعب احتواؤه، ومع اقتراب كأس العالم 2026، وجد المسؤولون أنفسهم أمام قرار متأخر بإقالته والاستعانة بدونيس قبل شهرين فقط من البطولة.
هنا تظهر الأزمة الحقيقية؛ فالتغيير نفسه قد يكون منطقيًا، لكن توقيته هو الكارثة، لأن المنتخب يدخل أهم بطولة في العالم وسط تغيير فني اضطراري، دون مشروع واضح أو فترة إعداد كافية، وهو ما يعكس خللًا إداريًا أكثر من كونه مجرد قرار فني.
وبالتالي، قد لا يكون السؤال فقط عن نجاح دونيس أو فشله، بل عن الثمن الذي سيدفعه المنتخب بسبب سوء التخطيط منذ البداية، لأن الأخضر قد يجد نفسه أمام مشاركة صعبة وربما كارثية، ليس بسبب المدرب الجديد وحده، بل نتيجة سلسلة طويلة من القرارات المتأخرة والحسابات الخاطئة.



