في عالم كرة القدم لا تقاس الإنجازات دائما بمنصات التتويج أو بطاقات التأهل فحسب بل تقاس أحيانا بحجم التحدي وعظمة الإصرار في وجه المستحيل.
واليوم، ونحن نلملم شتات الحلم الذي تبخر في اللحظات الأخيرة من تصفيات كأس العالم للناشئين نجد أنفسنا أمام حقيقة لا تقبل الجدل: لقد خسرنا التأهل لكننا كسبنا جيلا يفرض الاحترام وصنعنا منتخبا من عدم ليكون ندا لعمالقة القارة رغم شحة الإمكانيات وانعدام المقومات.
لقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود فعل انفعالية ومنشورات متشنجة وكأن البعض كان يتوقع أن الطريق نحو المونديال مفروش بالورود متناسين أن منتخبنا لا يملك أدنى مقومات الاستقرار التي تنعم بها المنتخبات الأخرى.
إن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها بكل شجاعة هي أن الوصول إلى العالمية لا يأتي بالحماس وحده بل هو ثمرة عمل مؤسسي طويل واستقرار إداري ومالي ودوري منتظم وبنية تحتية صلبة وأندية قادرة على صناعة اللاعب وتأسيسه منذ الصغر.
وإذا ما عقدنا مقارنة منصفة بين ظروف إعداد صغارنا والمنتخبات المنافسة سنجد هوة سحيقة وفوارق شاسعة ومع ذلك لم يكن لاعبونا لقمة سائغة بل كانوا أسودا صارعوا حتى الرمق الأخير.
إن ما حققه مدرب المنتخب الوطني للناشئين يعد معجزة كروية بكل المقاييس فقد نجح في تطويع أبسط الإمكانيات لصناعة كتيبة مقاتلة تطور أداؤها من مباراة إلى أخرى وهو ما يؤكد أن هذا المنتخب كان يحتاج فقط لجرعة أكبر من المباريات الودية والاحتكاك الدولي قبل خوض غمار البطولة.
وفي المباراة الأخيرة أمام كوريا قدم اللاعبون ملحمة كروية استبسلوا فيها حتى الدقيقة الأخيرة لكن الساحرة المستديرة أدارت ظهرها لنا في لحظة كان الحظ فيها غائبا تماما.
علينا أن ندرك أن السبب الحقيقي للإخفاق لا يكمن في خطأ فني أو سوء حظ في مباراة بعينها بل في ركاكة آلية إنتاج اللاعب اليمني التي تفتقر لأبسط الأساسيات من النادي وصولا للمنتخب.
فمن غير المنطقي أن نطالب بالتأهل للعالمية وإعدادنا يقتصر على ملاعب بسيطة كملعب الظرافي في حين تخوض المنتخبات الأخرى معسكرات عالمية ومباريات ودية بالجملة.
هؤلاء الناشئون هم مشاريع نجوم للمستقبل ويستحقون منا كل الدعم والمساندة لا الإحباط والهجوم فبناء القاعدة الرياضية الصحيحة هو السبيل الوحيد للوصول ليس فقط لكأس العالم بل لصناعة جيل يليق باسم وتاريخ اليمن.
ختاما تظل الأقلام العقلانية والمنصفة هي بوصلتنا الحقيقية تلك التي تناقش الأمور بواقعية بعيدا عن التجريح أو الانفعال فالاختلاف في وجهات النظر والنقد الهادف هو ظاهرة صحية ومطلوبة ما دام الهدف الأسمى هو مصلحة الكرة اليمنية وتطورها.
هاردلك يا صغارنا.. لقد رفعتم رؤوسنا والقادم أجمل لمن يملك العزيمة ويؤمن بالبناء الصحيح.



