عادت الحياة إلى الملاعب اليمنية لتشعل في القلوب ذلك الشغف القديم الذي ظل حبيس الانتظار لسنوات طويلة وكأن قطار الدوري الكروي هذا الموسم لا ينقل اللاعبين بين المحافظات فحسب بل يحمل معه ما يشبه المصالحة المؤقتة بين اليمنيين وأحزانهم الثقيلة. فعلى امتداد شهر كامل من الدوران المثير استعادت المدرجات نبضها وجماهيرها التي وجدت في كرة القدم مساحة نادرة للفرح والانتماء لتتحول المباريات من مجرد منافسة رياضية على النقاط إلى احتفال وطني واسع يعلن للعالم أن هذا الوطن ورغم كل ما مر به من منغصات ما يزال قادرا على إنتاج الحياة والجمال والأمل وفي زمن ازدحمت فيه البلاد بالضجيج والتعب الإنساني جاءت الساحرة المستديرة لتقول كلمتها الهادئة والعميقة في آن واحد مؤكدة أن الشعوب لا تعيش فقط على وقع الأزمات بل على قدرتها الدائمة في صناعة الفرح ولو من بين الركام فمن صنعاء إلى حضرموت ومن تعز إلى مأرب بدت الهتافات وكأنها تكتب سيرة جديدة لوطن أنهكته التفاصيل لكنه ما يزال يجد في الرياضة نافذة مفتوحة نحو الضوء ووسيلة ناعمة لترميم الروح الجمعية وإحياء الشعور المشترك بالهوية الواحدة.
ومع ختام الجولة الرابعة بلغت الإثارة ذروتها مبكرا بعدما فرضت أندية حضرموت نفسها بقوة على واجهة المشهد الكروي في تحول لافت يعكس حجم العمل والطموح والرغبة في إعادة رسم خريطة المنافسة المحلية إذ نجح نادي المكلا وشقيقه شعب حضرموت في التحليق معا فوق القمة بالعلامة الكاملة محققين اثنتي عشرة نقطة من أربع مباريات دون أي تعثر في انطلاقة مثالية جعلت الجماهير الحضرمية تعيش لحظات استثنائية من الفخر والزهو المشروع ولم يعد الحديث عن تفوق أندية الساحل الشرقي مجرد صدفة عابرة أو نشوة مؤقتة بل بات واقعا يفرض نفسه بقوة الأرقام والأداء والثقة فهناك حيث يمتزج صوت البحر بإيقاع “الدان الحضرمي” يبدو أن كرة القدم وجدت موسما استثنائيا لتعلن فيه عن ميلاد مرحلة جديدة تتجاوز فيها هذه الفرق أدوار المنافس التقليدي لتتبوأ موقع المرشح الحقيقي للقب ومع ذلك تبقى كرة القدم لعبة التفاصيل القاسية التي لا تعترف بالبدايات وحدها بل تمنح المجد لمن يملك النفس الطويل والقدرة على الصمود حتى الصفارة الأخيرة وهو ما يدركه جيدا عشاق المكلا والشعب وهم يراقبون بحذر شديد تقلبات الطريق الطويل نحو منصة التتويج.
خلف المتصدرين مباشرة تتحرك أندية المطاردة بثقة وطموح حيث لا تفصلها سوى ثلاث نقاط عن القمة في سباق يبدو مفتوحا على كل الاحتمالات؛د فأندية الوحدة والتضامن والعروبة تدرك تماما أن التاريخ وحده لا يكفي للفوز بالبطولات وأن رهانات الحاضر تتطلب شخصية أكثر صلابة وقدرة أكبر على التعامل مع ضغط المنافسة ولذلك فإن الجولات القادمة ستكون اختبارا حقيقيا لهذه الفرق ليس فقط على مستوى النتائج بل على مستوى امتلاك عقلية البطل القادر على تجاوز العثرات ومواصلة الضغط حتى النهاية. وفي خضم هذا الحراك يبقى أهلي صنعاء عميد الأندية اليمنية واحدا من أكثر الفرق التي تستحوذ على اهتمام الشارع الرياضي وتساؤلاته فالجماهير الأهلاوية التي اعتادت رؤية فريقها في مواقع التتويج تجد نفسها اليوم أمام بداية متذبذبة أثارت الكثير من القلق ودفعت المحبين للتساؤل حول قدرة الفريق على استعادة شخصيته التاريخية وهيبته المعهودة ومع أن الوقت لا يزال مبكرا للحكم النهائي إلا أن استمرار هذا التذبذب قد يكلف الأهلي كثيرا في سباق لا يعترف بالأسماء بقدر ما يعترف بما يقدم فوق المستطيل الأخضر.
أما نادي سد مأرب فقد قدم صورة لفريق يملك الكثير مما لم يظهر بعد بعدما اكتفى بانتصار وحيد وثلاثة تعادلات وهي نتائج تعكس حالة من الحذر المبالغ فيه أحيانا رغم امتلاك الفريق لعناصر قادرة على تقديم كرة هجومية أكثر جرأة ويبدو أن الفريق المأربي مطالب خلال الجولات القادمة بالتحرر من الحسابات الضيقة واللعب بعقلية أكثر شجاعة إذا ما أراد الاقتراب من المناطق الدافئة ومزاحمة الكبار على مواقع متقدمة. وفي الجانب الإنساني من الحكاية حضرت معاناة الأندية اليمنية القديمة بثوب جديد حين وجد يرموك الروضة نفسه ضحية تعطل حافلته في الطريق في مشهد مؤلم بدد أحلامه مبكرا وسط الصحراء بينما عاش شباب البيضاء قصة مشابهة بعدما اضطر لاعبوه إلى مواجهة الإرهاق والخذلان عقب تعطل وسيلة النقل الخاصة بهم وهي مشاهد تختصر كثيرا من أوجاع الرياضة اليمنية التي ما تزال تقاتل بإمكانات محدودة وظروف قاسية لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم الإصرار الأسطوري الذي يتحلى به هؤلاء اللاعبون الشبان الذين يواصلون الركض خلف أحلامهم الصغيرة والكبيرة غير آبهين بكل ما يحيط بهم من وعورة الطريق.
وفي قاع الترتيب تبدو الصورة أكثر تعقيدا وقسوة حيث يحاول فحمان استعادة توازنه والبحث عن طريق العودة إلى مستواه المعروف مستندا إلى خبرة مدربه الوطني محمد حسن البعداني الذي يراهن على قدرة لاعبيه في تجاوز البداية الصعبة وتصحيح المسار قبل فوات الأوان وفي المقابل يعيش اتحاد حضرموت صراعا شاقا للهروب من دوامة التراجع بينما تلقى هلال الحديدة صدمة ثقيلة بعد خسارته القاسية بالأربعة في نتيجة أعادت إلى الواجهة الحديث عن الحاجة الملحة لإعادة ترتيب البيت الإداري والفني للنادي واستعادة هوية الساحل الغربي الكروية. أما اتحاد إب فيقف بدوره أمام مرحلة دقيقة تتطلب كثيرا من الهدوء والعمل خصوصا مع اقترابه المقلق من مناطق الخطر فيما يبدو سلام الغرفة الأكثر معاناة حتى الآن بعدما دخل المنافسات دون أن ينجح في تحقيق أي انتصار أو حتى خطف نقطة تعادل مستقبلا ثمانية أهداف جعلت بدايته تبدو قاسية إلى حد كبير وكأن الفريق ما يزال يبحث عن ذاته وتائها وسط دوامة النتائج السلبية.
ورغم كل هذه التحديات فإن النجاح الحقيقي الذي تحقق حتى الآن لا يقتصر على حسابات الربح والخسارة داخل المستطيل الأخضر فقط بل يمتد إلى الجانب التنظيمي الذي قدم صورة مشرفة عن قدرة الاتحاد اليمني لكرة القدم ولجانه المختلفة على إدارة البطولة بكفاءة واقتدار ففي ظل الظروف الاقتصادية واللوجستية المعقدة نجحت الجهات المنظمة في تأمين استمرار الدوري وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار المطلوب لإنجاح المنافسات وهو جهد يستحق الإشادة والتقدير لأنه يؤكد أن الإرادة قادرة دائما على تجاوز العقبات مهما كانت قاسية. كما لعب الإعلام الرياضي اليمني دورا محوريا في صناعة هذا النجاح من خلال مواكبته الاحترافية للأحداث وتحليلاته المستمرة ونقله اليومي لتفاصيل المنافسات إلى الجماهير المتعطشة فقد كان الإعلام شريكا حقيقيا في إعادة الروح إلى الدوري وساهم بعدساته وأقلامه وبرامجه في توسيع مساحة الاهتمام الشعبي بالبطولة مؤكدا مرة أخرى أن الرياضة والإعلام يشكلان معا أحد أهم الجسور التي تعبر بالمجتمعات نحو الأمل والسلام والتقارب الإنساني. وهكذا لا يبدو الدوري اليمني هذا الموسم مجرد بطولة رياضية عابرة بل حكاية وطن يحاول أن ينهض من جديد وأن يجد في كرة القدم لغة مشتركة تجمع أبناءه حول فرحة واحدة فحين تدور الكرة فوق العشب الأخضر يتراجع كل شيء إلى الخلف قليلا ويصبح اليمنيون أكثر قدرة على الحلم وأكثر إيمانا بأن هذا الوطن الذي أتعبته السنوات ما يزال قادرا على صناعة الفرح كلما وجدت الإرادة طريقها إلى الحياة.



