” الموازين اختلفت” .. بشير سنان – الرياضة نت
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On YoutubeCheck Our Feed

” الموازين اختلفت” .. بشير سنان

عندما انطلقت منافسات كأس العالم 2026، انشغلت أغلب التوقعات بأسماء المرشحين التقليديين للقب، الأرجنتين، فرنسا، ألمانيا، البرازيل، وإسبانيا.
لكن ما كشفته الجولة الأولى لم يكن تفوق الكبار بقدر ما كان إعلاناً صريحاً بأن كرة القدم العالمية دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها الأسماء والتاريخ كافية لحسم المباريات.
الحدث الأبرز في الجولة الأولى لم يكن فوز ألمانيا الكبير على كوراساو، ولا انتصار الأرجنتين المريح على الجزائر، بل قدرة المنتخبات الأقل تصنيفاً على الوقوف نداً أمام قوى كروية اعتادت فرض هيمنتها في البطولات الكبرى.
المغرب خسر ثلاث نقاط مستحقة أمام البرازيل، في مواجهة أثبت خلالها أنه لم يعد ذلك المنتخب الذي يبحث عن مفاجأة عابرة، بل فريق يمتلك شخصية واضحة وخبرة متراكمة في التعامل مع كبار العالم.
وفي مكان آخر، فرضت الكونغو الديمقراطية التعادل على البرتغال، بعدما رفضت الاستسلام لتأخرها المبكر وعادت بقوة لتخطف نقطة ثمينة من أحد أبرز المرشحين لعبور المجموعة.
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ تمكن الرأس الأخضر من تعطيل إسبانيا وحرمانها من تحقيق الفوز، بينما خرجت السعودية بتعادل مهم أمام الأوروغواي، ونجح المنتخب المصري في اقتناص نقطة أمام بلجيكا، في نتائج أكدت أن الفوارق الفنية بين المنتخبات أصبحت أقل من أي وقت مضى.
المثير في الأمر أن هذه النتائج لم تكن وليدة الحظ أو الأخطاء الفردية فقط، بل جاءت نتيجة تطور حقيقي تشهده العديد من المدارس الكروية خارج أوروبا وأميركا الجنوبية.
فالمنتخبات الإفريقية والآسيوية والعربية أصبحت أكثر تنظيماً من الناحية التكتيكية، وأكثر قدرة على مجاراة الإيقاع البدني للمباريات الكبرى، وهو ما انعكس بوضوح على نتائج الجولة الأولى.
المنتخبات العربية تحديداً خرجت برسائل إيجابية رغم تباين النتائج، فالمغرب أكد استمرار مشروعه الناجح بعد إنجاز مونديال 2022، والسعودية أثبتت قدرتها على المنافسة أمام منتخبات الصف الأول، فيما قدمت مصر مباراة متوازنة أمام بلجيكا.
وحتى المنتخبات التي خسرت، مثل الجزائر والأردن وتونس والعراق، أظهرت فترات جيدة من الأداء رغم عدم تحقيق النتائج المطلوبة.
هذه المؤشرات تعكس واقعاً جديداً للكرة العربية، التي باتت تملك عدداً من المنتخبات القادرة على المنافسة الفعلية بدل الاكتفاء بالمشاركة.
وربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لا يبدو الحديث عن تأهل أكثر من منتخب عربي إلى الأدوار الإقصائية مجرد حلم أو أمنية جماهيرية.
أما إفريقيا، فقد تكون الرابح المعنوي الأكبر في الجولة الأولى، فإلى جانب تعادل المغرب والكونغو، حققت كوت ديفوار فوزاً مهماً، وقدمت السنغال أداءً تنافسياً أمام فرنسا رغم الخسارة.
وتؤكد هذه النتائج أن القارة السمراء تواصل تقليص الفجوة مع القوى التقليدية، وأن إنجاز المغرب في قطر لم يكن استثناءً بقدر ما كان بداية مرحلة جديدة.
وفي المقابل، كشفت الجولة الأولى أن بعض المنتخبات الأوروبية لم تعد تتمتع بالهيبة نفسها التي كانت تفرضها في السابق.
البرتغال وإسبانيا وبلجيكا وهولندا فشلت جميعها في تحقيق الفوز، وهو ما يعكس حجم التطور الذي شهدته بقية القارات خلال السنوات الأخيرة.
ومن المفارقات أن النظام الجديد للبطولة، الذي تعرض لانتقادات واسعة قبل انطلاق المونديال بسبب زيادة عدد المنتخبات إلى 48 منتخباً، بدأ يمنح نتائج مختلفة تماماً عما توقعه المنتقدون، فبدل أن يؤدي إلى زيادة الفوارق الفنية، ساهم في إظهار منتخبات جديدة تمتلك القدرة على المنافسة وصناعة المفاجآت.
الجولة الأولى لم تحسم شيئاً بطبيعة الحال، لكنها قدمت مؤشراً مهماً على طبيعة البطولة المقبلة. فالكبار ما زالوا مرشحين للذهاب بعيداً، لكن الطريق لن يكون سهلاً كما كان في نسخ سابقة. والمنتخبات الصاعدة لم تعد تكتفي بالدفاع وانتظار الخسارة بأقل الأضرار، بل أصبحت تدخل المباريات بهدف الفوز وإثبات الذات.
وبينما تخوض المنتخبات غمار الجولة الثانية، تبدو الرسالة الأهم واضحة للجميع: في مونديال 2026 لا يكفي أن تمتلك التاريخ، بل يجب أن تثبت في كل مباراة أنك تستحق مكانك بين الكبار.
فهذه البطولة، منذ جولتها الأولى، أثبتت أنها لم تعد حكراً على الأسماء التقليدية، بل أصبحت مفتوحة لكل من يملك الشجاعة والطموح والتنظيم.

التصنيفات: ميادين