من متعة قطر إلى معاناة أمريكا .. كأس العالم يدخل عصر المسافات المستحيلة – الرياضة نت
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On YoutubeCheck Our Feed

من متعة قطر إلى معاناة أمريكا .. كأس العالم يدخل عصر المسافات المستحيلة

تحتضن الولايات المتحدة وكندا والمكسيك النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم، بطولة يتوقع أن تحطم الأرقام القياسية من حيث عدد المباريات والحضور الجماهيري والانتشار الجغرافي.

لكن خلف مشهد المدرجات الممتلئة والأجواء الاحتفالية الصاخبة، تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية عن المنافسة داخل المستطيل الأخضر، وهي المسافات الهائلة التي تفصل بين المدن والملاعب ومراكز التدريب.

فبعد أن قدّمت قطر في عام 2022 واحدة من أكثر نسخ كأس العالم تقاربًا وسهولةً في التنقل، تأتي نسخة 2026 لتقدم تجربة مختلفة تمامًا، حيث تمتد البطولة عبر قارة كاملة، وتتحول الرحلة إلى الملعب في بعض الأحيان إلى تحدٍ لا يقل صعوبة عن المباراة نفسها.

من مونديال مضغوط إلى بطولة عابرة للقارة

عندما استضافت قطر كأس العالم قبل أربع سنوات، كانت البطولة مثالًا فريدًا على سهولة التنقل. فقد تمكن المشجعون من حضور أكثر من مباراة في اليوم الواحد بفضل قرب الملاعب من بعضها البعض، إذ لم تتجاوز أقصى مسافة بين ملعبين 71 كيلومترًا، بينما كانت بعض الملاعب تقع ضمن نطاق مدينتين متجاورتين لا تفصل بينهما سوى بضعة كيلومترات.

أما في كأس العالم 2026، فالصورة مختلفة تمامًا. فالمسافة بين ميامي في أقصى الجنوب الشرقي للولايات المتحدة وفانكوفر الكندية في أقصى الشمال الغربي تتجاوز 5500 كيلومتر. رحلة كهذه تحتاج إلى أكثر من 51 ساعة بالسيارة، أو نحو ست ساعات بالطائرة عبر الرحلات المباشرة المحدودة.

هذا التحول يعكس الفارق الهائل بين تنظيم بطولة داخل دولة صغيرة المساحة، وبين تنظيمها في ثلاث دول تمتد عبر قارة أمريكا الشمالية بأكملها، وذلك حسبما أفادت صحيفة “ماركا” الإسبانية.

جغرافيا ضخمة تفرض واقعًا جديدًا

قد يبدو هذا الأمر طبيعيًا بالنظر إلى حجم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لكن التحدي الحقيقي لا يقتصر على المسافات بين المدن المستضيفة فقط، بل يمتد أيضًا إلى داخل المدن نفسها.

ففي العديد من المدن الأمريكية، لا يمكن مقارنة البنية الحضرية بما اعتادته الجماهير الأوروبية أو حتى بما شاهدته في قطر. المدن مترامية الأطراف، والاعتماد على السيارات يكاد يكون ضرورة يومية، بينما تبقى خيارات التنقل سيرًا على الأقدام محدودة للغاية.

ولهذا السبب، يجد كثير من المشجعين أنفسهم مضطرين لقضاء ساعات طويلة في التنقل بين الفنادق ومناطق المشجعين ومراكز التدريب والملاعب، حتى وإن كانوا داخل المدينة نفسها.

ميامي.. نموذج واضح للتحديات

تُعد مدينة ميامي واحدة من أبرز الأمثلة على طبيعة التحديات التي تواجه الجماهير خلال البطولة.

فالمسافة بين منطقة ساوث بيتش الشهيرة في أقصى الجنوب ومدينة بالم بيتش، التي اتخذها المنتخب البرتغالي مقرًا لإقامته وتدريباته، تصل إلى نحو 140 كيلومترًا. أما الانتقال من ملعب هارد روك إلى مركز التدريب في بالم بيتش جاردنز فيستغرق أكثر من ساعة بالسيارة في الظروف العادية.

ولا تتوقف المسافات عند هذا الحد، إذ تفصل نحو 30 كيلومترًا بين فندق هارد روك ومنطقة المشجعين الرئيسية الواقعة في منتزه بايفرونت بوسط المدينة.

ورغم الأجواء الاحتفالية الكبيرة التي تعيشها ميامي مع توافد آلاف المشجعين من مختلف الجنسيات، فإن اتساع المدينة يجعل هذه الأجواء موزعة على نطاق جغرافي واسع، ما يقلل من الإحساس بالتكدس الذي يميز عادة بطولات كأس العالم.

السيارة أولًا.. والحلول الأخرى محدودة

يتفق كثير من السكان المحليين وسائقي سيارات الأجرة وخدمات النقل الذكي على أن امتلاك سيارة يكاد يكون شرطًا أساسيًا للتنقل بسهولة في المدن الأمريكية.

فالعديد من الملاعب الكبرى تقع في أطراف المدن أو في مناطق بعيدة عن المراكز الحضرية، وهو ما يجعل الوصول إليها عبر المشي أو وسائل النقل التقليدية أمرًا صعبًا.

ويشير عدد من المتابعين إلى أن هذه الطبيعة العمرانية تختلف جذريًا عن المدن الأوروبية التي غالبًا ما تحتضن ملاعبها داخل النسيج الحضري، ما يسمح للجماهير بالوصول إليها عبر القطارات أو سيرًا على الأقدام.

ملعب هارد روك.. مثال على تعقيدات الوصول
يمثل ملعب هارد روك في ميامي نموذجًا واضحًا لهذه الإشكالية.

فالوصول إلى الملعب سيرًا على الأقدام يكاد يكون مستحيلًا، بل إن السلطات الأمنية تمنع ذلك في بعض المناطق المحيطة. كما أن الطرق المؤدية إليه مصممة أساسًا لحركة السيارات، وتفتقر في أجزاء واسعة منها إلى الأرصفة المناسبة للمشاة.

ولهذا السبب، يتم الاعتماد على حافلات النقل المخصصة للمشجعين، والتي تتوقف على مسافات بعيدة نسبيًا من الملعب، قبل أن يواصل المشجعون رحلتهم سيرًا على الأقدام.

ومع حضور عشرات الآلاف من المتفرجين، تتحول عملية الدخول والخروج إلى تحدٍ لوجستي كبير، خصوصًا عندما يتأخر المشجعون في الوصول. وقد شهدت بعض المباريات دخول أعداد كبيرة من الجماهير بعد انطلاق اللقاء بالفعل نتيجة الازدحام الشديد عند المداخل.

هيوستن تقدم صورة مختلفة
في المقابل، تبدو تجربة مدينة هيوستن أكثر سلاسة نسبيًا.

فعلى الرغم من أن الملعب يقع جنوب المدينة وعلى مسافة تقارب 13 كيلومترًا من مركزها، فإن شبكة الطرق وسهولة الوصول جعلتا تجربة الجماهير أكثر راحة مقارنة ببعض المدن الأخرى.

كما توفر المدينة خيارات متعددة لمواقف السيارات القريبة من الملعب، ما يمنح المشجعين مرونة أكبر في التنقل، وإن كان ذلك يأتي بتكلفة مرتفعة قد تصل إلى 125 دولارًا مقابل ركن السيارة في بعض المواقف المعتمدة القريبة من الاستاد.

اختبار غير مسبوق للجماهير
لا شك أن كأس العالم 2026 سيبقى حدثًا استثنائيًا في تاريخ اللعبة، سواء بسبب عدد المنتخبات المشاركة أو حجم الجماهير المتوقع حضورها أو اتساع الرقعة الجغرافية التي تحتضن المنافسات.

لكن في الوقت ذاته، تكشف البطولة عن تحدٍ جديد لم تعتده الجماهير في النسخ الأخيرة. فبينما كان الانتقال بين الملاعب في قطر يستغرق دقائق أو ساعات قليلة، أصبح الأمر اليوم يتطلب رحلات جوية طويلة وتخطيطًا دقيقًا وميزانيات أكبر.

وبينما تستعد الملاعب لاستقبال ملايين المشجعين، تبقى المسافات الشاسعة هي العنوان الأبرز الذي يميز مونديال أمريكا الشمالية، البطولة التي لا تختبر فقط شغف الجماهير بكرة القدم، بل قدرتها أيضًا على قطع آلاف الكيلومترات من أجل متابعة اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

التصنيفات: اخبار عالمية,عاجل