بعدما سجل إسماعيل صيباري نجم منتخب المغرب ركلة الترجيح الحاسمة التي أطاحت بهولندا من دور الـ32 بمونديال روسيا، ركض مباشرة نحو المدرجات، ليحتضن والدته وسط دموع امتزجت فيها الفرحة بذكريات سنوات طويلة من الألم والمعاناة.
بالنسبة إلى كثيرين كان ذلك مجرد عناق بين أم وابنها، لكنه في الحقيقة كان نهاية فصل وبداية آخر في قصة بدأت قبل أكثر من عقدين، يوم أخبر الأطباء والديه أن طفلهما ربما لن يتمكن من السير طوال حياته.
الصدمة والدعاء
ولد إسماعيل صيباري عام 2001 بمدينة تيراسا الإسبانية لعائلة مغربية، لكن أيامه الأولى لم تكن تشبه طفولة أي طفل آخر، فقد اكتشف الأطباء أنه يعاني من تشوه خلقي في القدمين، إذ كانت قدماه مقوستين إلى الداخل بصورة حادة، وهو ما دفعهم إلى إبلاغ والده بأن فرص مشيه بصورة طبيعية تبدو ضئيلة للغاية.
بدأت بعدها رحلة علاج طويلة ومرهقة، ارتدى خلالها أجهزة ودعامات حديدية وأحذية طبية خاصة لتقويم ساقيه، فيما تنقلت أسرته بين الأطباء وجلسات العلاج على أمل أن ينجح الطفل في تحقيق ما كان يبدو مستحيلًا.
ويتذكر صيباري لاحقًا أن حلمه في تلك المرحلة لم يكن أن يصبح لاعب كرة قدم، بل كان يتمنى فقط أن يستطيع المشي مثل بقية الأطفال.
ورغم قسوة التشخيص، لم تسمح والدته لليأس بأن يجد طريقه إلى الأسرة، فكانت تؤمن بأن العلاج وحده لا يكفي، وأن الدعاء والإصرار قد يغيران ما بدا مستحيلًا، وهو الإيمان الذي ظل يرافق ابنها حتى أصبح أحد أبرز نجوم الكرة المغربية.
وزن زائد!
بعد تجاوز أصعب مراحل العلاج، انتقلت الأسرة إلى بلجيكا، وهناك بدأت علاقة صيباري بكرة القدم.
أظهر موهبة لافتة في سن مبكرة، وانضم إلى أكاديمية أندرلخت، أحد أكبر مصانع المواهب في أوروبا، لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود.
فعندما بلغ الرابعة عشرة من عمره، قرر النادي الاستغناء عنه بدعوى أنه يعاني من زيادة في الوزن ولا يمتلك المقومات البدنية اللازمة للوصول إلى أعلى المستويات، وهي لحظة كادت أن تنهي حلمه قبل أن يبدأ.
إلا أن الفتى المغربي تعامل مع تلك الصدمة بطريقة مختلفة، فبدلًا من الاستسلام، ضاعف ساعات التدريب، وطور لياقته البدنية، وانتقل إلى جينك، قبل أن يجد فرصته الحقيقية مع آيندهوفن الهولندي، حيث بدأ اسمه يفرض نفسه تدريجيًا بين أبرز المواهب الصاعدة في أوروبا.
عملاق بافاريا
في آيندهوفن تغير كل شيء، تطور صيباري موسمًا بعد آخر، وتحول من لاعب واعد إلى أحد أهم عناصر الفريق الأول، ليساهم في تتويج النادي بعدة ألقاب للدوري الهولندي، بينما لفتت أرقامه الهجومية أنظار كبار القارة الأوروبية.
وبات اسم اللاعب المغربي حاضرًا بقوة في سوق الانتقالات، بعدما ربطته تقارير عديدة بالانتقال إلى بايرن ميونخ أحد أهم كبار أوروبا، في اعتراف واضح بحجم التطور الذي حققه اللاعب الذي كان يومًا ما يواجه شكوكًا حتى في قدرته على المشي.
المغرب بلا تردد
ورغم أنه ولد في إسبانيا، وتكوّن كرويا في بلجيكا، فإن صيباري لم يتردد عندما حان وقت اختيار المنتخب الذي سيمثله على المستوى الدولي، فقد فضل ارتداء قميص المغرب، رافضًا محاولات الاتحاد البلجيكي لإقناعه بتمثيل “الشياطين الحمر”، مؤكدًا أن الانتماء إلى بلد والديه وأجداده كان خيارًا لا يحتاج إلى تفكير.
ومنذ انضمامه إلى المنتخبات المغربية، بدأ يثبت أنه أحد أهم المواهب التي أنجبتها الكرة المغربية في السنوات الأخيرة، حتى أصبح عنصرًا أساسيًا في تشكيلة “أسود الأطلس”.
نجم عالمي
دخل صيباري كأس العالم 2026 وهو لاعب موهوب يعرفه متابعو الكرة الأوروبية، لكنه خرج من الدور الأول نجما عالميا.
فقد افتتح مشواره بهدف في شباك البرازيل، ثم سجل أسرع هدف في النسخة الحالية أمام إسكتلندا، قبل أن يهز شباك هايتي ويواصل تحطيم الأرقام القياسية بقميص المغرب.
وجاءت اللحظة الأهم في مواجهة هولندا بدور الـ32، حين امتدت المباراة إلى ركلات الترجيح بعد 120 دقيقة من الإثارة، ليتقدم صيباري لتنفيذ الركلة الأخيرة بثقة كبيرة، ويضع الكرة داخل الشباك، مانحًا المغرب بطاقة التأهل إلى ثمن النهائي، قبل أن يتجه مباشرة نحو المدرجات ليحتضن والدته في واحدة من أكثر اللحظات الإنسانية تأثيرًا في البطولة.
لم يكن ذلك الاحتضان مجرد احتفال بهدف أو انتصار، بل كان رسالة امتنان إلى المرأة التي وقفت إلى جانبه في أصعب سنوات حياته، وآمنت بقدرته على تجاوز كل التوقعات التي حكمت عليه مبكرًا.
إيمان.. صبر.. عمل
قد يتذكر التاريخ إسماعيل صيباري بسبب أهدافه، أو بسبب ركلة الترجيح التي قادت المغرب إلى دور الـ16، لكن ما يجعل قصته استثنائية حقًا هو أنها تثبت أن أعظم الانتصارات الكروية قد لا تتحقق داخل المستطيل الأخضر.
فالطفل الذي أحاطت الأجهزة الطبية بساقيه، والذي أخبر الأطباء أسرته يومًا بأنه ربما لن يمشي أبدًا، أصبح اليوم لاعبًا يركض في أكبر ملاعب العالم، ويقود منتخب بلاده إلى إنجازات تاريخية، ليؤكد أن الإيمان، حين يقترن بالصبر والعمل، قادر على تحويل أقسى الوضعيات إلى أجملها.



