تحت شعارات برّاقة تدّعي أن كرة القدم هي “لعبة الفقراء” وأن المونديال “عرس الشعوب”، تُقام كؤوس العالم المتعاقبة لتكشف زيف هذه العبارات المستهلكة. فالواقع المرير يثبت، بطولة بعد أخرى، أن كأس العالم باتت حكراً على الأثرياء ومن يملكون ثمن المتعة، بينما يُطرد ملايين المشاهدين خلف أسوار التشفير والاحتكار، لتتحول اللعبة من أداة للشغف الإنساني إلى آلة تجارية جشعة لا ترحم.تبدأ الأزمة من شاشات التلفزيون التي انطفأت في بيوت الملايين من عشاق اللعبة في الدول النامية والفقيرة.
لم يعد بإمكان المواطن البسيط في عالمنا العربي أو في إفريقيا أن يتابع منتخبه أو نجمه المفضل، بعد أن أحكمت شبكات البث الفضائي المشفرة (مثل beIN Sports وغيرها) قبضتها الاحتكارية على الحقوق الحصرية. فرض اشتراكات مالية تفوق الدخل الشهري للمواطن حوّل البطولة إلى نادٍ مغلق للأثرياء، في مفارقة صارخة لرسالة الرياضة الإنسانية.
ولم يقف الأمر عند حرمان المشاهد، بل امتد التمييز إلى داخل المستطيل الأخضر عبر محاباة واضحة للمنتخبات الكبيرة واللاعبين النجوم؛ وكأن هناك دستوراً غير مكتوب ينص على أن “المنتخبات المغمورة لا ينبغي لها الوصول لمراحل متقدمة”. رأينا ذلك جلياً في الجدل التحكيمي وقرارات تقنية الفيديو (VAR) التي تتدخل بروح تميل دائماً لإنقاذ القوى التقليدية، كما حدث لمنتخبات عربية وإفريقية كمنتخب مصر في لقطات إقصائية حاسمة، حيث تلغى أهداف بداعي أخطاء مشكوك فيها في بداية الهجمة، بينما يُتغاضى عن كوارث تحكيمية لصالح الكبار ضماناً لبقاء النجوم والتسويق. فخروج الكبار يعني خسائر فادحة للرعاة، وهو ما لا تسمح به المنظومة.هذا الطغيان الصارخ للمكاسب المالية تجسد في التعديل التاريخي برفع عدد منتخبات المونديال إلى 48 منتخباً وزيادة المواجهات إلى 104 مباريات. هذا التوسع لم يأتِ لنشر اللعبة، بل لتعظيم أرباح الاتحاد الدولي (FIFA) التي بلغت عوائدها القياسية 13 مليار دولار، مدفوعة بتضاعف عوائد التذاكر والضيافة، مما يحول البطولة إلى “مهرجان تجاري” للشركات الراعية على حساب القيمة الفنية والبدنية للاعبين.
في نهاية المطاف، تعكس النتائج التاريخية حقيقة هذه الهيمنة؛ فعلى مدار كل النسخ السابقة، لم يخرج اللقب مطلقاً عن قارتي أوروبا وأمريكا الجنوبية (بواقع 12 لقباً لأوروبا و10 لأمريكا الجنوبية). هذا الاحتكار الثنائي ليس صدفة، بل نتاج منظومة اقتصادية تسخرها الأندية الأوروبية والاتحادات النافذة لتوسيع الفجوة، والتعامل مع بقية القارات كـ “كومبارس” لتأثيث المشهد الرياضي وتجميع الأموال. إنها بطولة “العالم” بالاسم فقط، لكنها كُتِبَت لتكون لأقليّة تملك المال والنفوذ، تاركةً لبقية العالم الفتات وحسرة المشاهدة خلف الشاشات المشفرة.



