أسماء رنانة وأموال ضخمة، معادلة بات الهلال بطلها الأول في دوري روشن السعودي خلال السنوات الأخيرة، لكنها لا تعني دومًا النجاح في بناء فريق قوي قادر على حصد الألقاب.
هذه المعادلة كررها “الزعيم” في الميركاتو الصيفي الأخير، أنفق أموالًا طائلة، اقتربت من حاجز المليار ريال، وضم أسماء لامعة في الدوري الإنجليزي الممتاز، لكنه لم يحسن بناء الفريق بالشكل الأمثل.
ملايين الهلال
الهلال تعاقد مع 9 لاعبين خلال فترة الانتقالات الصيفية الماضية، منهم ثلاثي أجنبي من “البريميرليج”، وهم البرازيلي جابرييل مارتينيلي من أرسنال، الإنجليزي أولي واتكينز من أستون فيلا، والهولندي كريسينسيو سامرفيل من وست هام.
الثلاثي المنضم حديثًا دخل قائمة أغلى 5 لاعبين في تاريخ “الزعيم”، بجانب البرازيلي نيمار دا سيلفا الذي يحتل الصدارة بمبلغ 90 مليون يورو، ومواطنه مالكوم الذي أتي رابعًا بـ60 مليونًا.
في المقابل، جاء مارتينيلي في المركز الثاني بـ70 مليون يورو، بحسب موقع “ترانسفير ماركت”، يليه سامرفيل ثالثًا بـ64.5 مليون يورو، وواتكينز في المركز الخامس بقيمة 58.4 مليون يورو.
هذا الثلاثي أيضًا أصبح ضمن أغلى 10 صفقات في تاريخ الدوري السعودي، حيث حل مارتينيلي وسامرفيل في المركزين الثالث والرابع، خلف نيمار والكولومبي جون دوران، فيما جاء واتكينز في المرتبة العاشرة.
وبالإضافة إلى الثلاثي الأجنبي، ضم الهلال 6 لاعبين محليين، ليكون قد تعاقد مع 9 لاعبين في الميركاتو الصيفي الماضي، مقابل نحو 206 ملايين يورو، وهو ما يعادل 900 مليون ريال سعودي تقريبًا.
وبذلك، يكون الهلال هو الفريق الأكثر إنفاقًا على الصفقات خلال فترة الانتقالات الصيفية الماضية، بفارق كبير للغاية عن الأهلي، صاحب المركز الثاني، حيث أنفق نحو 84.2 مليون يورو بحسب موقع “ترانسفير ماركت”.
الهلال مكسور الجناح
ورغم هذا الإنفاق الهائل على الصفقات، فإن الهلال عرى نفسه في مركزين مهمين، أولهما مركز الجناح الأيمن، حيث أصبح بدون لاعب أجنبي يجيد اللعب في هذا المركز كخيار أول.
الهلال قرر التضحية بنجمه البرازيلي مالكوم الذي كان يشغل هذا المركز طوال السنوات الثلاثة الماضية، بعدما وافق على انتقاله إلى نادي الجزيرة الإماراتي، دون الحصول على أي مقابل مالي.
رحيل مالكوم ترك سلطان مندش وحيدًا في هذا المركز، مع إمكانية الاستعانة بالوافد الجديد من الفيحاء، اللاعب الشاب صبري دهل، رغم أن الإيطالي سيموني إنزاجي، المدير الفني للهلال، كشف عن رغبته في الاستعانة به كظهير.
وبدا واضحًا أن قرار الاستغناء عن الجناح البرازيلي لم يكن صائبًا، لا سيما وأنه يبلغ من العمر 29 عامًا فقط، ما يعني أنه لم يكبر سنًا، كما أنه أسهم في 88 هدفًا في 139 مباراة مع الهلال، سجل منها 47 وصنع 41.
ميزان الهلال مختل
ما جعل قرار رحيل مالكوم أسوأ، أنه جاء من أجل التعاقد مع مواطنه جابرييل مارتينيلي من أرسنال، رغم أن الأخير يلعب بشكل أساسي في مركز الجناح الأيسر، وهو نفس المركز الذي يشغله الوافد الجديد الآخر كريسينسيو سامرفيل.
إنزاجي سُئل عن هذا الأمر في المؤتمر الصحفي الذي أعقب فوزه على الشباب في ديربي الرياض، ليؤكد أن مارتينيلي وسامرفيل سيتبادلان اللعب في الجناحين الأيمن والأيسر، في ظل أنهما يلعبان يسارًا بشكل أساسي.
وهنا السؤال الأهم: ما الذي يدفع الهلال وهو ينفق تلك الأموال الضحمة أن يتعاقد مع لاعبين أجنبيين في نفس الجبهة، مع طرد اللاعب الأجنبي الذي كان يجيد في الجبهة الأخرى من الملعب؟
في الوقت الذي سيكون سلطان مندش هو الجناح الأيمن الوحيد في قائمة الهلال، فهو على الغالب لن يلعب، لحساب جناح أيسر لا يمكن أن يجلس بديلًا ولو لعب في غير مركزه، من بين سامرفيل ومارتينيلي.
المشكلة الأكبر ستظهر بعد عودة القائد سالم الدوسري من الإصابة، حيث سيجد نفسه بديلًا لجناحين أجنبيين تعاقد معهما الهلال في مركزه، دون أن يوافق على رحيله لأحد أندية الدوري السعودي أو القطري.
بل ويظهر سوء التخطيط بشكل أكبر، بعد أن تعاقد الهلال مع جناحين محليين في الجبهة اليسرى أيضًا، ربما لن يريا النور أبدًا، وهما نواف الحبشي من الحزم، وعبدالله العنزي من الفتح.
الهلال بدون 8 أجانب
في الوقت الحالي، يمتلك الهلال في قائمته 11 لاعبًا أجنبيًا، لكنه لن يكون قادرًا على إشراك 8 منهم بشكل أساسي في أي مباراة، رغم سماح اللوائح بذلك، وذلك بسبب سوء التخطيط، وتحديدًا في مركز رأس الحربة.
الهلال استغنى عن 4 مهاجمين في الميركاتو الصيفي الماضي، ربما يعتقد البعض أن أهمهم الفرنسي كريم بنزيما، أو البرازيلي ماركوس ليوناردو، أو حتى الأوروجواياني داروين نونيز، غير أن الأهم كان اللاعب الرابع.
ويتعلق الأمر بالمهاجم السعودي عبدالله رديف الذي تخلى عنه الهلال بشكل مجاني، لينتقل إلى الأهلي في صفقة انتقال حر، بعد منافسة مع جاره وغريمه التقليدي الآخر الاتحاد.
الخطأ الذي ارتكبه الهلال برحيل رديف لا يكمن في كونه أفضل من أيٍ من المهاجمين الباقين أو الراحلين، ولكن يتعلق الأمر بجنسيته.
رديف كان حلًا مثاليًا للهلال كمهاجم بديل للإنجليزي أولي واتكينز في مباريات دوري روشن، من أجل منحه القدرة على استغلال جميع الأجانب الثمانية في التشكيلة الأساسية، بدلًا من إبقاء أحدهم كبديل، كما يحدث مؤخرًا.
إنزاجي أصبح مضطرًا لإبقاء الإيفواري محمد قادر ميتي على مقاعد البدلاء، مع الاستعانة بـ7 أجانب فقط في التشكيلة الأساسية، حتى يكون قادرًا على الاستعانة به حال قرر استبدال واتكينز لأي سبب.
هذه المعضلة بدأت منذ الميركاتو الشتوي الماضي، عندما رحل عبدالله الحمدان إلى النصر، وخرج رديف مُعارًا، ورغم أن الفريق عانى بسبب ذلك في النصف الثاني من الموسم الماضي، لكنه لم يحل تلك الأزمة في الميركاتو الصيفي.
وبسبب ذلك، سيكون إنزاجي مضطرًا للاستعانة بـ7 أجانب فقط في التشكيلة الأساسية، أو عدم وضع مهاجم بديل على مقاعد البدلاء، مع الاعتماد على قدرة لاعبي الأجنحة لشغل هذا المركز حال الحاجة.
ثغرة في القلب
مشكلة أخرى لم يحلها الميركاتو الصيفي في الهلال، بل إنه زاد منها، وهي أزمة قلب الدفاع، حيث لم يتعاقد “الزعيم” مع أي لاعب في هذا المركز، رغم إعلان إنزاجي رغبته في ذلك.
الهلال أنهى الموسم الماضي وهو يمتلك 5 مدافعين، رحل منهم الإسباني بابلو ماري بعد انتهاء إعارته، وكان التركي يوسف أكتشيشيك قريبًا هو الآخر من الرحيل، قبل التراجع في اللحظات الأخيرة.
صحيح أن الهلال يمتلك 4 مدافعين في الوقت الحالي، وهو عدد يبدو مناسبًا إلى حدٍ ما، لكن الأمر يختلف مع اشتعال المنافسات وزيادة ضغط المباريات، وهو ما يتسبب في الإصابات.
الغريب أن الهلال عانى من ذلك مبكرًا، بعد إصابة علي لاجامي ويوسف أكتشيشيك، قبل أن يلحقهما السنغالي كاليدو كوليبالي أمام الأهلي، وقبلهما كان حسان تمبكتي عائدًا للتو من إصابته.
هذا الأمر إن تكرر قد يدفع إنزاجي للاستعانة بلاعب الوسط البرتغالي روبين نيفيز في هذا المركز بشكل مؤقت، كما فعل أمام نيوم، غير أن ذلك يجعل الهلال يخسر أبرز لاعبيه في وسط الملعب.
الحل في عقل ليفربول
الآن، وبعد أن أصبح الاسكتلندي ريتشارد هيوز هو المدير الرياضي الجديد لنادي الهلال، أصبح لزامًا عليه أن يُلغي العقلية التي عمل بها النادي السعودي في الميركاتو خلال آخر فترتي انتقالات.
هيوز تولى منصب المدير الرياضي في الهلال، بعد عامين قضاهما في ليفربول منذ 2024، نجح فيهما في إبرام العديد من الصفقات القوية، سواءً من حيث الأسماء، أو المستويات.
الأسماء اللامعة ليست الحل دائمًا، والأموال الباهظة أيضًا، وإنما يجب التخطيط لبناء فريق متكامل، يضم عناصر مميزة في كل مركز، ويستغل كل مقعد متاح لتقويته، وليس لإضعاف منافسيه.



