لم تعد صافرات الاستهجان في ملعب سانتياجو برنابيو مجرد لحظة عابرة يمكن تجاوزها مع صافرة النهاية، بعدما تحولت قضية فينيسيوس جونيور إلى اختبار حقيقي لعلاقة النجم البرازيلي بجماهير ريال مدريد، ولقدرة جوزيه مورينيو على حماية أحد أهم أسلحته في مشروعه الجديد.
في الوقت الذي كان فيه ريال مدريد يخوض ليلة أوروبية كبيرة أمام إنتر، ويحتاج إلى كل نجومه للعبور بأمان من مواجهة ثقيلة، وجد فينيسيوس نفسه في مواجهة خصم آخر من المدرجات.
ورغم أن البرازيلي قدم واحدة من أكثر مبارياته التزامًا بالواجبات الجماعية، ووصل إلى تسع استردادات للكرة، فإن جزءًا من جماهير البرنابيو اختار إطلاق صافرات الاستهجان ضده، بل إن بعض المشجعين بدأوا في مهاجمته منذ اللحظات الأولى للمباراة.
لكن الرسالة القادمة من داخل ريال مدريد تبدو واضحة: لا مورينيو يفكر في التراجع، ولا إدارة النادي مستعدة للتخلي عن اللاعب، ولا غرفة الملابس تنظر إلى فينيسيوس باعتباره أزمة يجب التخلص منها. على العكس تمامًا، يبدو أن النادي قرر مواجهة العاصفة بدلًا من الاستسلام لها.
مورينيو يرفع راية التحدي
وسط الأجواء المشحونة حول فينيسيوس، جاء موقف جوزيه مورينيو حاسمًا. المدرب البرتغالي لا يرى أن اللاعب فقد مكانته داخل الفريق، بل يعتقد أن ما يمر به في الوقت الحالي يمكن تجاوزه من خلال الاستمرار في اللعب، والحصول على الثقة، واستعادة الحالة البدنية والفنية التي جعلته واحدًا من أخطر اللاعبين في العالم.
مورينيو يقدر بشكل خاص التحول الذي طرأ على فينيسيوس منذ بداية الموسم، حتى وإن كان الجانب الهجومي لم يصل بعد إلى المستوى المنتظر منه. فالبرازيلي أصبح أكثر التزامًا بالعمل الدفاعي، ويساهم بصورة أكبر في مساعدة زملائه، ويقدم جهدًا جماعيًا لم يكن حاضرًا بالشكل نفسه خلال الموسمين الماضيين.
وهذا تحديدًا ما يجعل مورينيو متمسكًا به. فالمدرب البرتغالي لا يريد التعامل مع فينيسيوس باعتباره لاعبًا يجب معاقبته كلما تراجع مستواه الهجومي، وإنما يرى أن أفضل طريقة لإعادته إلى قمة مستواه هي منحه دقائق اللعب والمساحة الكافية لاستعادة الثقة.
ولهذا السبب، فإن الخطة واضحة: فينيسيوس سيبدأ أساسيًا أمام رايو فايكانو. مورينيو لا يريد الدخول في لعبة الحسابات، ولا يرغب في منح المنتقدين انتصارًا مبكرًا بإبعاد اللاعب عن التشكيلة الأساسية. بالنسبة له، فينيسيوس لا يزال أحد أهم مفاتيح المشروع، وسيحصل على فرصة جديدة فوق أرض الملعب لإثبات ذلك.
ليلة كشفت الوجه الآخر لفينيسيوس
المفارقة أن صافرات الاستهجان جاءت في المباراة التي قدم خلالها فينيسيوس صورة مختلفة تمامًا عن اللاعب الذي يتعرض للانتقادات بسبب مردوده الهجومي.
صحيح أن البرازيلي لم يكن في أفضل حالاته أمام المرمى، ولم يقدم تلك اللمسات الساحرة التي اعتاد عليها جمهور ريال مدريد، لكنه كان حاضرًا بقوة في الجانب الجماعي، وقدم جهدًا دفاعيًا لافتًا.
وصل عدد استرداداته للكرة إلى تسع مرات، في مؤشر واضح على حجم العمل الذي بذله لمساعدة الفريق. لكن قطاعًا من جماهير البرنابيو لم ينظر إلى هذه التفاصيل بالقدر نفسه، وواصل توجيه صافرات الاستهجان إلى اللاعب في أكثر من مناسبة.
وبحسب ما نقلته صحيفة “آس” الإسبانية، فإن بعض المشجعين ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث استمروا في مهاجمة فينيسيوس منذ بداية المباراة، رغم أهمية المواجهة وقوة المنافس.
وهنا ظهرت مشكلة أكبر من مجرد تراجع مستوى لاعب. ففينيسيوس ليس لاعبًا عاديًا في ريال مدريد، بل أحد أبرز نجوم الفريق خلال السنوات الماضية، ولذلك فإن الطريقة التي يتعامل بها جزء من الجمهور معه أصبحت محل قلق داخل النادي.
“أنا قلق على فيني”.. غرفة الملابس تتحرك
الأزمة لم تبقَ داخل حدود المدرجات. فبعد نهاية مواجهة إنتر، وصلت حالة الاستياء من معاملة فينيسيوس إلى غرفة الملابس، حيث شعر عدد من اللاعبين بأن زميلهم يتعرض لضغط غير عادل.
ووفقًا للتقرير، اقترب أحد أصحاب الوزن الكبير داخل غرفة الملابس من مورينيو عقب المباراة، ونقل إليه قلقه مما يحدث مع اللاعب البرازيلي، معتبرًا أن ما يتعرض له لا يتناسب مع ما قدمه للنادي خلال السنوات الماضية.
الرسالة التي وصلت إلى المدرب كانت واضحة: يجب مساعدة فينيسيوس على استعادة سعادته وثقته بنفسه.
هذه اللحظة تعكس أهمية اللاعب داخل المجموعة، كما تكشف أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالأرقام والأهداف والتمريرات الحاسمة، وإنما أصبحت مرتبطة بالحالة النفسية للاعب ومدى شعوره بالدعم داخل النادي.
ومورينيو، بحسب المعطيات، يتفق مع هذا الطرح. المدرب يرى أن فينيسيوس يحتاج أولًا إلى الشعور بأنه لا يزال لاعبًا أساسيًا في مشروع ريال مدريد، وأن مكانته داخل الفريق ليست موضع نقاش بسبب فترة من التراجع.
الخطة التي وضعها مورينيو تبدو بسيطة لكنها تحمل قدرًا كبيرًا من المخاطرة: اللعب، ثم اللعب، ثم المزيد من اللعب. فالمدرب البرتغالي يعتقد أن فينيسيوس سيستعيد أفضل نسخة منه بمجرد أن يراكم الدقائق ويستعيد إيقاع المباريات.
وهناك سبب منطقي خلف هذا الاعتقاد. فينيسيوس، في أفضل حالاته، لاعب قادر على تغيير المباراة من لقطة واحدة. قوته في المواجهات الفردية، سرعته، قدرته على اختراق المساحات، وإجباره المدافعين على التراجع، كلها عوامل تجعل وجوده في الملعب تهديدًا مستمرًا لأي منافس.
لذلك، فإن استبعاده بسبب تراجع مؤقت في الفاعلية الهجومية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية. مورينيو يريد أن يعيد اللاعب إلى منطقة الثقة، لا أن يدفعه إلى مزيد من الشك. ومن هنا تأتي أهمية مواجهة رايو فايكانو.
دعم النادي لا يتوقف عند مورينيو
قرار مورينيو لا يتوقف عند إشراك فينيسيوس فقط، وإنما يمتد إلى استمراره في الاعتماد على الشراكة الهجومية بينه وبين كيليان مبابي. الثنائي سيقود هجوم ريال مدريد أمام رايو، في رسالة واضحة بأن المدرب لا يرى المشكلة في وجود فينيسيوس إلى جانب النجم الفرنسي.
وفي وسط الملعب، يستعيد ريال مدريد أيضًا بعض العناصر التي غابت عن مواجهة إنتر، وعلى رأسها أردا جولر وبرناردو سيلفا بعد انتهاء الإيقاف، إلى جانب عودة أوريلين تشواميني وعودة تياغو بيتارش إلى الجاهزية.
هذه الخيارات تمنح مورينيو مساحة أكبر للمناورة، لكنها في الوقت نفسه تعني أن فينيسيوس لن يكون مطالبًا بحمل الفريق بمفرده. والمطلوب منه ببساطة أن يستعيد تأثيره.
وإذا كان موقف مورينيو واضحًا، فإن إدارة ريال مدريد تبعث بالرسالة نفسها. النادي لا يرى في تمديد عقد فينيسيوس حتى عام 2032 قرارًا عابرًا أو مجاملة للاعب، وإنما يعتبره إعلانًا صريحًا عن الثقة في قدراته ومستقبله.
فاللاعب يبلغ 26 عامًا، وما زالت أمامه سنوات طويلة في أعلى مستويات كرة القدم، كما أن إدارة ريال مدريد تعرف جيدًا حجم القيمة التي يمكن أن يمثلها فينيسيوس عندما يكون في أفضل حالاته.
ولهذا فإن النادي لا يريد أن يسمح لفترة من التراجع أو بعض صافرات الاستهجان بأن تتحول إلى أزمة أكبر. الرسالة التي تصل إلى اللاعب من أعلى هرم النادي واضحة: أنت جزء أساسي من المستقبل.
البرنابيو أمام اختبار جديد
الآن، تنتقل الكرة إلى ملعب جماهير ريال مدريد. مواجهة رايو فايكانو لن تكون مجرد مباراة جديدة في جدول الدوري، بل ستكون اختبارًا حقيقيًا لرد فعل المدرجات تجاه فينيسيوس.
هل تستمر صافرات الاستهجان؟ هل تمنح الجماهير اللاعب فرصة لاستعادة مستواه؟ أم أن الهدف الأول أو المراوغة الناجحة أو تمريرة حاسمة ستكون كافية لتغيير المزاج العام؟
كل هذه الأسئلة ستجد إجاباتها فوق أرض الملعب، وبالنسبة إلى مورينيو، فإن الحل ليس معقدًا: فينيسيوس يجب أن يلعب.
فالمدرب البرتغالي لا يريد أن يتعامل مع الأزمة بمنطق الهروب، وإنما بمنطق المواجهة. يريد من اللاعب أن يرد داخل الملعب، ومن الجماهير أن ترى ما يمكن أن يقدمه عندما يستعيد ثقته، ومن الفريق بأكمله أن يساعده في تجاوز هذه المرحلة.
فينيسيوس أمام معركة استعادة العرش
ربما تكون هذه واحدة من أكثر الفترات حساسية في مسيرة فينيسيوس مع ريال مدريد.
اللاعب الذي تحول خلال السنوات الماضية من موهبة شابة كثيرة الانتقادات إلى نجم حاسم ومؤثر، يجد نفسه الآن مضطرًا إلى خوض معركة جديدة، لكنها هذه المرة ليست ضد المدافعين فقط، بل ضد الشكوك والضغوط وتوقعات جماهير اعتادت منه المستحيل.
ومع ذلك، فإن كل العناصر الأساسية التي يحتاج إليها اللاعب للعودة ما زالت موجودة. “المدرب يثق به، النادي يدعمه، غرفة الملابس تقف إلى جواره، والجمهور، حتى لو كان جزء منه غاضبًا في الوقت الحالي، يعرف جيدًا ما يستطيع فينيسيوس تقديمه عندما يكون في كامل تركيزه وثقته”.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية تبدأ الآن. مورينيو اختار طريقًا واضحًا: لا استبعاد، ولا تراجع، ولا رضوخ للضغوط، فينيسيوس سيكون في الملعب، ووسيكون إلى جواره عشرة لاعبين آخرين.
أما المهمة، فهي أن يعيد بنفسه صياغة العلاقة مع البرنابيو، وأن يحول صافرات الاستهجان إلى تصفيق، والشكوك إلى ثقة، والضغط إلى وقود لعودة جديدة.
فالمدرب البرتغالي لا يريد مجرد حماية فينيسيوس من الغضب، وإنما يريد استعادة اللاعب الذي كان في وقت قريب أحد أكثر لاعبي العالم إزعاجًا لدفاعات المنافسين.
ومع رايو فايكانو، تبدأ المحاولة الجديدة. “فينيسيوس و10 آخرون.. إنها رسالة مورينيو الواضحة: النجم البرازيلي ما زال في قلب مشروع ريال مدريد”.


