لا صراخ ولا فوضى .. هل كسر ماريسكا لعنة خلافة الأساطير؟ – الرياضة نت
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On YoutubeCheck Our Feed

لا صراخ ولا فوضى .. هل كسر ماريسكا لعنة خلافة الأساطير؟

كان من المفترض أن تكون مهمة إنزو ماريسكا واحدة من أصعب المهام التدريبية في كرة القدم الحديثة. مدرب يصل إلى مانشستر سيتي خلفًا لأسطورة بحجم بيب جوارديولا، بعد حقبة صنعت تاريخ النادي وغيّرت شكل المنافسة في إنجلترا وأوروبا، ليجد نفسه مطالبًا بالحفاظ على الإرث ذاته، وسط مقارنات لا تنتهي مع سلفه.

لكن بعد الأسابيع الأولى من الموسم، يبدو أن ماريسكا يتعامل مع هذه المهمة وكأنها أقل تعقيدًا مما توقع كثيرون. وقاد المدرب مانشستر سيتي إلى أربعة انتصارات متتالية في بداية الدوري الإنجليزي الممتاز، ليقتسم الفريق صدارة جدول الترتيب مع أرسنال، بينما تشير المؤشرات المبكرة إلى أن المنافسة على اللقب قد تنحصر مجددًا بين الفريقين.

ولم يكن الانتصار الأهم مجرد فوز جديد في سلسلة النتائج الإيجابية، بل جاء في المكان والظروف الأكثر صعوبة؛ عندما عاد سيتي من ملعب أولد ترافورد بانتصار ثمين بنتيجة 1-0 على مانشستر يونايتد، رغم أن الفريق اضطر إلى خوض جزء كبير من المباراة بعشرة لاعبين بعد طرد فيل فودين.

الأهم من النتيجة نفسها كان رد فعل الفريق. فلم يظهر لاعبو سيتي في حالة ارتباك أو ذعر، بل حافظوا على هدوئهم حتى النهاية، وهي السمة التي أصبحت ربما الأكثر إثارة للإعجاب في بداية عهد ماريسكا.

هدوء على الخط.. وموسيقى صاخبة في التدريبات

ربما تكمن إحدى أهم ملامح شخصية ماريسكا في الطريقة التي يتعامل بها مع الضغوط، واستعاد المدرب ذكريات سبتمبر الماضي، عندما كان يقود تشيلسي وتعرض حارسه روبرت سانشيز للطرد بعد خمس دقائق فقط من بداية المباراة أمام مانشستر يونايتد في أولد ترافورد.

كانت تلك الأمسية مختلفة تمامًا، فاضطر ماريسكا إلى إجراء تغييرات مبكرة للغاية، فأجرى تبديلين خلال أول سبع دقائق، وغير شكل فريقه عمليًا إلى اللعب بخمسة مدافعين، لكنه لم يتمكن من الحفاظ على النتيجة حتى صافرة النهاية.

وبعد عام تقريبًا، بدا ماريسكا أكثر نضجًا في التعامل مع الموقف ذاته، ولم يسارع إلى إجراء تغييرات جذرية بعد الطرد، بل منح فريقه الوقت الكافي لفهم ما يحدث والتكيف معه. وكان نقل ريان شرقي إلى الجهة اليمنى، قبل استبداله بإيليمان ندياي بين الشوطين، أحد أبرز قراراته التكتيكية في المباراة.

هذا الهدوء لم يكن مجرد سلوك على أرض الملعب، بل أصبح جزءًا من شخصية المدرب خارجها أيضًا، وفي المؤتمرات الصحفية، يظهر ماريسكا مبتسمًا وهادئًا، ويتعامل مع الأسئلة بأسلوب مختلف تمامًا عن الصورة التي اعتادها جمهور مانشستر سيتي خلال سنوات جوارديولا.

وبعد الفوز على مانشستر يونايتد، وعندما سُئل عن إيرلينج هالاند وتألقه هذا الموسم، رد ماريسكا بابتسامة مستعينًا بتعبير مستوحى من المقولة الشهيرة: “زوجة سعيدة تعني حياة سعيدة.. بالنسبة لنا، إيرلينغ سعيد يعني حياة سعيدة”.

جملة بسيطة ومرحة، لكنها تعكس كثيرًا من شخصية المدرب الجديد.. فماريسكا لا يحاول صناعة نسخة أخرى من جوارديولا، بل يبدو مصممًا على أن يكون نفسه وذلك حسبما أفادت “بي بي سي سبورت”.

لا يشبه جوارديولا.. وهذه هي الفكرة

كانت المقارنة مع جوارديولا حتمية منذ اللحظة التي أعلن فيها مانشستر سيتي تعيين ماريسكا. فالأخير لم يرث مجرد فريق ناجح، وإنما ورث منظومة اعتادت الفوز، وجمهورًا اعتاد مشاهدة كرة قدم لها هوية واضحة، ولاعبين عملوا لسنوات تحت قيادة مدرب ترك بصمة عميقة في تفاصيل حياتهم اليومية.

لكن الاختلاف بين الرجلين يظهر حتى في المنطقة الفنية. كان جوارديولا كثير الحركة أثناء المباريات، يصرخ ويوجه لاعبيه باستمرار، ويتفاعل مع كل تفصيلة تقريبًا، بينما يبدو ماريسكا أكثر هدوءًا؛ يقف في كثير من الأحيان بلا حركة تقريبًا، واضعًا ذراعيه أمام صدره، ويراقب المباراة قبل أن يتدخل.

واللافت أن هذا الهدوء لا يعني غياب الأفكار أو ضعف التأثير. على العكس، يبدو أن ماريسكا يريد أن يفرض شخصيته بطريقة مختلفة.

حتى التدريبات شهدت تغييرًا واضحًا؛ إذ أصبحت الموسيقى جزءًا من أجواء العمل، مع تشغيل موسيقى الهاوس الصاخبة التي وصفها ماريسكا بنفسه بأنها من نوع “بوم، بوم، بوم”.

الفكرة بالنسبة للمدرب بسيطة: جعل اللاعبين أكثر سعادة، وهو ما يعتقد أنه يمكن أن ينعكس على أدائهم داخل الملعب. وهكذا، لا يحاول ماريسكا محو إرث جوارديولا، لكنه يضيف إليه شيئًا من شخصيته.

دياز يكشف ما تغير خلف الكواليس

التغيير الذي أحدثه ماريسكا لا يقتصر على الأجواء العامة، بل يمتد إلى التفاصيل الفنية والتدريبية. وأوضح القائد الجديد لمانشستر سيتي، روبن دياز، أن المدرب أدخل أفكاره الخاصة، رغم أن الأسس التي بُني عليها الفريق خلال السنوات الماضية لا تزال موجودة.

وقال دياز إن هناك تغييرات واضحة تبدأ من الحصص التدريبية، وتمتد إلى بعض التفاصيل المتعلقة بأسلوب الضغط وطريقة الدفاع، وهي أمور تعكس أفكار ماريسكا الخاصة.

لكن المدافع البرتغالي شدد في الوقت ذاته على وجود استمرارية واضحة في طريقة لعب الفريق. وهذا ربما يكون أحد مفاتيح نجاح ماريسكا المبكر.

فهو لم يأتِ إلى مانشستر سيتي ليبدأ من الصفر، ولم يحاول هدم منظومة أثبتت نجاحها، بل اختار الاحتفاظ بالأساس وإدخال تعديلات تدريجية تمنح الفريق بصمته الخاصة.

وقال دياز إن الكثير من الأشياء تغيرت، لكن هوية الفريق وأسلوب لعبه لا يزالان قريبين جدًا مما اعتاد عليه النادي. وهنا تكمن المفارقة. ماريسكا يغير سيتي، لكنه لا يحاول تغييره بالكامل.

المقارنات مع جوارديولا لا تشكل ضغطًا

منذ الإعلان عن تعيين ماريسكا، ظهرت مقارنات كثيرة بين مهمته وتجربة ديفيد مويس عندما خلف السير أليكس فيرجسون في مانشستر يونايتد عام 2013. وكانت تلك التجربة واحدة من أشهر قصص فشل المدربين في خلافة أساطير الأندية.

مويس دخل أولد ترافورد بعد 27 عامًا قضاها فيرجسون على رأس مانشستر يونايتد، لكنه لم يتمكن من تحمل حجم التوقعات، ولم يستمر أكثر من عشرة أشهر قبل إقالته. ولهذا السبب، يدرك ماريسكا جيدًا أن خلافة مدرب مثل جوارديولا تحمل مخاطر استثنائية.

وخلال المؤتمر الصحفي الخاص بتقديمه، أشار المدرب إلى أمثلة أخرى، مثل فيرغسون وأرسين فينغر، موضحًا أن الأندية عانت بدرجات مختلفة بعد رحيل مدربين أمضوا فترات طويلة في قيادتها.

لكن ماريسكا لم يتعامل مع هذه المقارنات باعتبارها تهديدًا. بل قال بوضوح إن الحديث عن جوارديولا سيستمر، لكنه أكد أن ذلك “لا يشكل ضغطًا عليه”، وهذا ربما يفسر الكثير من طريقة عمله حتى الآن.

بداية قوية بعد صفعة آرسنال

من السهل أن ننسى أن بداية ماريسكا لم تكن مثالية بالكامل. فمانشستر سيتي تعرض لهزيمة قاسية بنتيجة 3-0 أمام أرسنال في مباراة درع المجتمع، وهي نتيجة كان من الممكن أن تفتح بابًا مبكرًا للتشكيك في قدرة المدرب الجديد على التعامل مع فريق بهذا الحجم.

لكن الرد جاء سريعًا. حقق سيتي سلسلة من الانتصارات، وصلت إلى خمسة انتصارات متتالية، من بينها فوز في دوري أبطال أوروبا على بورتو، قبل أن يواصل انطلاقته القوية في الدوري الإنجليزي الممتاز.

ثم جاء الفوز على مانشستر يونايتد في أولد ترافورد ليمنح بداية ماريسكا دفعة إضافية، ليس فقط بسبب أهمية المنافس، ولكن بسبب الطريقة التي تعامل بها الفريق مع ظروف المباراة.

وهذا تحديدًا ما يجعل البداية مثيرة للاهتمام. ماريسكا لا يفوز فقط، وإنما يبدو أن الفريق يتعلم كيفية التعامل مع الأزمات دون فقدان توازنه.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

مع ذلك، لا تزال الأسئلة الكبرى مؤجلة. فمانشستر سيتي لم يقطع سوى خطواته الأولى مع مدربه الجديد، والموسم طويل، والمنافسة ستكون أكثر قسوة مع مرور الأسابيع.

كما أجرى النادي تغييرات جوهرية على تشكيلته خلال فترة الانتقالات الصيفية، ما يعني أن ماريسكا لا يعمل فقط على خلافة جوارديولا، وإنما يحاول في الوقت نفسه بناء نسخة جديدة من الفريق.

وتبدأ رحلة الدفاع عن لقب كأس الرابطة بمواجهة نورويتش سيتي على ملعب الاتحاد، قبل أن يستضيف سندرلاند في الدوري الإنجليزي الممتاز بعد ثلاثة أيام.

وإذا نجح ماريسكا في تجاوز المباراتين بانتصارين جديدين، فسيقترب من تحقيق بداية شبه مثالية لمسيرته مع مانشستر سيتي. لكن الأهم من الأرقام سيكون استمرار الطريقة التي يتعامل بها مع الضغوط.

حتى الآن، يبدو أن ماريسكا فهم القاعدة الأساسية للمهمة: لا يمكنه أن يكون جوارديولا، ولا يحتاج إلى أن يكونه.

لقد ورث فريقًا يعرف كيف يفوز، لكنه اختار أن يمنحه شيئًا مختلفًا: هدوءًا في الأزمات، شخصية أكثر خفة خارج الملعب، وأفكارًا جديدة داخل التدريبات والمباريات.

ولهذا، فإن “المهمة المستحيلة” التي بدت مخيفة قبل بداية الموسم بدأت تتحول تدريجيًا إلى مشروع قابل للحياة. فماريسكا لم يخرج من عباءة جوارديولا بعد، لكنه بدأ بالفعل في بناء عباءته الخاصة.

التصنيفات: الدوري الانجليزي,عاجل