لم يكن خوان لابورتا بحاجة إلى خوض معركة جديدة حول تفاصيل قضية نيجريرا حتى يرد على الهجوم الأعنف الذي تعرض له برشلونة من فلورنتينو بيريز، بل اختار طريقًا أكثر تعقيدًا وأشد إزعاجًا لرئيس ريال مدريد، بعدما نقل المواجهة من نافذة التصريحات الإعلامية إلى أروقة القضاء.
وبينما كان الجدل لسنوات يدور حول الأموال التي دفعها برشلونة لشركات مرتبطة بخوسيه ماريا إنريكيز نيجريرا، نائب رئيس اللجنة الفنية للحكام سابقًا، وجد بيريز نفسه الآن أمام موعد قضائي محدد في 25 نوفمبر المقبل، على خلفية تصريحات اتهم فيها النادي الكتالوني بالفساد وإثراء الحكام والاستفادة دائمًا من القرارات التحكيمية.
برشلونة في هذه القضية لا يطلب من بيريز مجرد الاعتذار، وإنما يطالبه بالتراجع عن تصريحات محددة، أو تحديد الحكام والمباريات والوقائع التي يستند إليها في اتهاماته، وإلا سيرفع النادي الكتالوني دعوى جنائية ضد رئيس الريال.
من أين بدأت قضية نيجريرا؟
القضية الأصلية تعود إلى المدفوعات التي حصلت عليها شركات مرتبطة بنيجريرا وابنه من برشلونة على مدار سنوات، فيما تشير التحقيقات إلى مبالغ تجاوزت 7 ملايين يورو خلال الفترة محل البحث. وفي ذلك الوقت كان نيجريرا يشغل منصب نائب رئيس اللجنة الفنية للحكام، وهو ما جعل العلاقة المالية بينه وبين أحد الأندية الكبرى في إسبانيا موضع تحقيق واسع.
برشلونة يقول إن الأموال كانت مقابل تقارير واستشارات فنية حول الحكام، وليس بهدف الحصول على أفضلية تحكيمية. وتوجد بالفعل مئات التقارير والمواد التي يقول النادي إنها نتاج تلك الخدمات. لكن التحقيقات أثارت تساؤلات حول القيمة الفعلية لهذه الأعمال، ومدى استخدامها داخل النادي، خصوصًا بعدما أفاد بعض المدربين بعدم معرفتهم بها أو استخدامها.
وفي تقرير للحرس المدني الإسباني، قيل إن التحقيق لم يثبت في تلك المرحلة أن مبلغًا تجاوز 7.5 مليون يورو كان مخصصًا بالفعل للاستشارات التي تحدث عنها برشلونة، كما أشار التقرير إلى عدم وجود أثر واضح لاستخدام هذه التقارير من أقسام النادي، مع تسجيل عمليات سحب نقدي من أموال الشركات المرتبطة بنيجريرا لم يتم تحديد وجهتها النهائية بشكل كامل. وفي الوقت نفسه، لم يجزم التقرير بأن الأموال استُخدمت بالفعل لشراء قرارات تحكيمية، بل طرح ذلك ضمن فرضيات التحقيق.
وهنا تكمن أهمية الفصل بين أمرين: وجود المدفوعات والتحقيق فيها أمر ثابت، أما إثبات أن برشلونة اشترى حكامًا أو مباريات فشيء آخر لم يحسمه القضاء بحكم نهائي.
فالتحقيق لم يقدم حتى الآن حكمًا قضائيًا يقول إن برشلونة دفع لحكام من أجل تغيير نتائج مباريات. بل إن شهادة عدد من الحكام أمام الحرس المدني لم تثبت وجود تأثير مباشر على المنافسة، رغم أن بعضهم عبّر عن اعتقاده بأن برشلونة ربما كان يريد الحصول على منفعة رياضية من علاقته بنيجريرا. وفي المقابل، قال حكام آخرون إن مثل هذا التأثير لم يكن ممكنًا أو لم يحدث بالفعل.
والأكثر أهمية أن تقريرًا للهيئة الضريبية الإسبانية ظهر في 2026 وأفاد بعدم وجود دليل لديها على أن أموال برشلونة ذهبت إلى حكام أو استُخدمت للتأثير في نتائج المباريات، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى عمليات سحب نقدي متكررة من حسابات نيجريرا وإلى أن الغرض النهائي من بعض هذه الأموال لم يُحسم.
كما أن محكمة برشلونة ألغت في مايو 2024 تهمة الرشوة من القضية، بعدما خلصت إلى أن نيجريرا لا تنطبق عليه صفة الموظف العام اللازمة لتطبيق جريمة الرشوة، مع استمرار التحقيق في المسار المتعلق بالفساد الرياضي.
إذن، الصورة ليست “برشلونة بريء وانتهى كل شيء”، وليست أيضًا “ثبت أن برشلونة اشترى الحكام”، فالحقيقة القانونية أكثر تعقيدًا، وهذا تحديدًا ما يمنح خطوة لابورتا وزنها.
لابورتا يقلب الطاولة على بيريز
فلورنتينو بيريز لم يكتفِ بإبداء تحفظات أو الإشارة إلى وجود علامات استفهام حول قضية نيجريرا، وإنما ذهب في تصريحاته إلى أبعد من ذلك بكثير، مستخدمًا عبارات حاسمة يمكن أن تصبح الآن محور المواجهة القانونية مع برشلونة.
رئيس ريال مدريد وصف ما حدث في قضية نيجريرا بأنه “فساد ممنهج”، وذهب إلى وصفها بأنها “أكبر فضيحة في التاريخ”، في واحدة من أقوى العبارات التي صدرت منه خلال حديثه عن الملف.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بعدما تحدث بيريز عن التأثير المزعوم للتحكيم على تاريخ ريال مدريد، مؤكدًا أن النادي كان يمكن أن يحقق عددًا أكبر من بطولات الدوري، وقال بشكل صريح إن 7 بطولات دوري “سُرقت” من ريال مدريد بسبب قرارات تحكيمية، كما أكد أن برشلونة “دائمًا ما يستفيد” من التحكيم، في تصريحات تضع القضية كلها في إطار اتهامات مباشرة وليست مجرد تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين النادي الكتالوني ونيجريرا.
وهنا وجد لابورتا نقطة يمكن البناء عليها.
فبدلًا من الدخول في معركة إعلامية لا تنتهي حول كل فاتورة وكل تقرير وكل رواية مرتبطة بقضية نيجريرا، وضع برشلونة تصريحات بيريز نفسها تحت المجهر، وطالبه بالتراجع عن العبارات التي يعتبرها “كاذبة ومسيئة إلى سمعة النادي”.
والأهم أن موقف برشلونة يفتح الباب أمام سؤال أكثر إحراجًا: إذا كان رئيس ريال مدريد متمسكًا بأن ما حدث يمثل “فسادًا ممنهجًا” وأن برشلونة استفاد من الحكام، فأين الأدلة المحددة على هذه الاتهامات؟ ومن هم الحكام؟ وما المباريات التي يرى أن نتائجها تأثرت؟
وهنا تصبح عبارات مثل “أكبر فضيحة في التاريخ” و”7 بطولات دوري سُرقت” ذات أهمية خاصة في المعركة، لأنها تكشف حجم الجزم في خطاب بيريز، وتسمح لبرشلونة بمحاولة نقل النقاش من مجرد وجود قضية وتحقيقات وشبهات إلى مدى قدرة رئيس ريال مدريد على إثبات الوقائع التي بنى عليها هذه التصريحات.
هذه الخطوة لا تعني أن برشلونة حسم قضية نيجريرا لمصلحته، لكنها غيرت مؤقتا موقع الطرفين في المعركة.
فبدلًا من أن يكون السؤال الوحيد: “ماذا كان يفعل برشلونة مع نيجريرا؟”، أصبح هناك سؤال جديد يطارد بيريز نفسه: هل يستطيع إثبات كل ما قاله عن برشلونة، أم أن بعض عباراته الحاسمة تجاوزت ما أثبتته التحقيقات والقضاء حتى الآن؟
هل يتراجع بيريز؟
في 25 نوفمبر، سيلتقي الطرفان في “جلسة مصالحة” أمام محاكم مدريد، وهي خطوة إجرائية تسبق إمكانية تقديم برشلونة شكوى جنائية بتهمة القذف.
وإذا لم تتم معالجة مطالب النادي الكتالوني، فقد ينتقل النزاع إلى مرحلة قضائية جديدة.
وهنا يصبح التراجع أحد الخيارات المتاحة أمام بيريز، فالقانون الإسباني يعرف القذف بأنه إسناد جريمة مع العلم بكذب هذا الإسناد أو مع الاستخفاف المتهور بالحقيقة، بينما يمنح المتهم إمكانية الإفلات من العقوبة إذا أثبت الجريمة التي نسبها إلى الطرف الآخر.
ومن هنا يمكن فهم ذكاء التحرك القانوني الذي اختاره لابورتا، فهو لم يحاول محو قضية نيجريرا بضربة واحدة، ولم يحتج إلى إثبات أن كل ما يتعلق بها مجرد مؤامرة ضد برشلونة؛ بل نقل التركيز إلى نقطة أضيق وأكثر تحديدا: الفارق بين الوقائع التي أثبتتها التحقيقات، والاتهامات التي أعلنها بيريز وكأنها حقائق محسومة.
الأكثر إثارة في هذه المواجهة أن برشلونة لا يحتاج إلى الفوز بقضية نيجريرا حتى يستفيد من معركته الجديدة.
فمجرد وصول تصريحات بيريز إلى جلسة مصالحة رسمية يخلق مسارا مختلفا تماما، ويمنح النادي الكتالوني فرصة لإجبار رئيس ريال مدريد على تحديد ما يقصده بدقة.
وقد يكون التراجع أحد السيناريوهات الممكنة لإنهاء المواجهة قبل تصعيدها، لكن إذا تمسك بيريز بتصريحاته، فإن برشلونة سيكون قد نجح بالفعل في نقله من موقع المهاجم الذي يوجه الاتهامات إلى موقع المطالب بتفسيرها وإثباتها.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر في الصراع بين الطرفين: قضية نيجريرا بدأت كقصة عن أموال برشلونة، لكنها قد تتحول مؤقتًا إلى قصة عن تصريحات فلورنتينو بيريز.
وبهذا يمكن القول إن لابورتا لم يغلق ملف نيجريرا، ولم يحصل برشلونة على حكم يبرئه من كل الشبهات المرتبطة بالقضية، لكنه نجح في فتح جبهة قانونية جديدة فوق الجبهة القديمة، ووضع تصريحات رئيس ريال مدريد نفسها تحت الاختبار.
وفي انتظار جلسة 25 نوفمبر، يبقى السؤال الأكثر إثارة، ليس فقط ماذا سيقول بيريز عن نيجريرا، وإنما: هل سيواصل اتهاماته بنفس اللهجة، أم يختار التراجع قبل أن تتحول حرب التصريحات إلى معركة قضائية مفتوحة؟



