في ظرف زمني قصير، لم يتجاوز 12 يومًا، انقلبت موازين المنافسة رأسًا على عقب، وتحوّل سباق صدارة دوري روشن السعودي من طريق ممهد إلى لغز مفتوح على كل الاحتمالات.
فريق كان يمسك بزمام الأمور بثقة كاملة، وجد نفسه فجأة خارج المشهد، دون مقدمات واضحة أو إنذارات كافية، وهو النصر الذي تجرع خسارة صادمة في ديربي الرياض ضد جاره الهلال، أمس الإثنين، بنتيجة (1-3)، ضمن الجولة 15 من عمر المسابقة.
ما حدث لم يكن مجرد تعثر عابر أو خسارة نقاط معتادة في موسم طويل، بل انهيار تدريجي صامت، تساقطت خلاله أوراق التفوق واحدة تلو الأخرى، فالفارق الذي كان يمنح الاطمئنان، تبخر سريعًا، ومعه تبددت كل الحسابات التي بُنيت على انطلاقة مثالية.
وبينما كانت الأنظار تتجه نحو حسم مبكر، جاءت الحقيقة قاسية ومفاجئة.. 12 يومًا فقط كانت كفيلة بإعادة كتابة القصة من جديد، وفتح باب الأسئلة حول ما إذا كان ما جرى سقوطًا مؤقتًا… أم بداية فصل مختلف تمامًا في صراع القمة؟.
12 يومًا ملعونة
بين 30 ديسمبر/كانون الأول و12 يناير/كانون الثاني، عاش النصر أكثر فتراته قسوة هذا الموسم، فترة قصيرة زمنيًا لكنها كانت كافية لقلب موازين المنافسة بالكامل.
فعد أن كان الفريق متفوقًا على الهلال بفارق 4 نقاط، ويمتلك أفضلية معنوية كبيرة بفضل انطلاقته التاريخية، دخل في دوامة تعثرات غير متوقعة غيّرت شكل السباق على اللقب.
خلال 4 مباريات متتالية، فقد النصر 11 نقطة من أصل 12 ممكنة، في سيناريو لم يكن في حسابات أكثر المتشائمين، هذا التراجع المفاجئ منح الهلال فرصة ذهبية للعودة بقوة، لم يفرّط فيها، ليصل إلى 12 يناير/كانون ثان وهو متصدر جدول الترتيب بفارق 7 نقاط كاملة، بعدما كان في موقع المطاردة.
الغريب أن هذه السقوط جاء بعد بداية مثالية للعالمي، الذي حقق الفوز في أول 10 مباريات له بالموسم، مسجلًا أفضل انطلاقة في تاريخ المسابقة، ما جعل التفوق يبدو راسخًا ومستقرًا، لكن كرة القدم لا تعترف بالمقدمات، فالأيام القليلة كانت كافية لهدم ما بُني خلال أشهر.
هكذا تحولت تلك الفترة إلى ما يمكن وصفه بـ “12 يومًا ملعونة” في مسيرة النصر هذا الموسم، أيام خطفت منه الصدارة، وأعادت إشعال الصراع من جديد، مؤكدة أن التفاصيل الصغيرة والتوقيت القاسي قد يكونان أحيانًا أقوى من أي بداية مثالية.
تفاؤل مبالغ فيه
كل المؤشرات الفنية والرقمية كانت تؤكد أن النصر يسير بثبات نحو اللقب، بعد المستوى اللافت الذي قدمه منذ انطلاقة الموسم. انتصارات متتالية، أرقام هجومية مميزة، وشخصية فريق بدا وكأنه تجاوز كل اختبارات الضغط مبكرًا، ما دفع كثيرين إلى ترجيح كفته على حساب الهلال، بل والتنبؤ بتتويج مريح وبفارق نقاط كبير.
هذا التفوق الواضح خلق حالة من الاطمئنان المفرط، سواء داخل محيط الفريق أو في قراءة المشهد العام، خاصة مع تعثرات المنافس في بعض المراحل.
النصر بدا أكثر جاهزية، وأكثر انسجامًا، وامتلك حلولًا متعددة جعلته يبدو الفريق الأصعب في المسابقة، والأقرب لحسمها قبل الأمتار الأخيرة.
لكن كرة القدم لا تعترف بالتوقعات، ولا تمنح الألقاب على الورق، فالسقوط جاء فجأة، وبصورة غريبة، وتحديدًا أمام المنافس المباشر، في لحظة كان يُفترض أن تؤكد تفوق النصر لا أن تهدمه.
تلك المواجهة لم تكن مجرد خسارة نقاط، بل نقطة تحوّل نفسية وفنية قلبت مسار الفريق بالكامل.
وهكذا، تحوّل التفاؤل الكبير إلى تساؤلات مشروعة، بعدما اصطدمت التنبؤات بالواقع، لتكشف أن الطريق إلى اللقب كان أكثر تعقيدًا مما بدا في البداية
أخطاء متراكمة في توقيت قاتل
لم يأتِ سقوط النصر من فراغ، بل كان نتيجة سلسلة من العوامل الفنية التي تزامنت في وقت واحد، لتُظهر الفريق بصورة مغايرة تمامًا لتلك التي ظهر بها في بداية الموسم.
في مقدمة هذه الأسباب، فشل المدرب البرتغالي جورجي جيسوس في تعويض غياب ساديو ماني، بعدما فقد الفريق عنصرًا حاسمًا في التحولات الهجومية والضغط الأمامي، دون وجود بديل قادر على سد الفراغ بنفس التأثير.
إلى جانب ذلك، عانى النصر من كوارث دفاعية متكررة، ظهرت بوضوح في المباريات الحاسمة، سواء على مستوى التمركز أو التعامل مع الكرات العرضية والهجمات المرتدة.
هذا الارتباك الدفاعي تزامن مع هبوط مستوى الحارس نواف العقيدي، الذي لم يظهر بالثبات المعهود، ما زاد من معاناة الخط الخلفي في لحظات مفصلية.
كما تمسك جيسوس بأسلوب الدفاع المتقدم رغم وضوح مخاطره، خاصة في ظل تراجع الجاهزية البدنية لبعض العناصر، وهو ما جعل الفريق عرضة للضربات السريعة خلف الخط الدفاعي، فهذا العناد التكتيكي كلف النصر كثيرًا، في وقت كان يحتاج فيه إلى حلول أكثر مرونة.
ولم يكن الوضع أفضل على الصعيد الهجومي، إذ شهد الثلث الأمامي تراجعًا ملحوظًا في الفاعلية، لا سيما فيليكس، الذي ظهر بمستوى مغاير تمامًا مع بداية العام الجاري، ما أفقد الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية.
ومع جدول مباريات ناري فرض على النصر مواجهة كبار الدوري تباعًا، دون فترات راحة كافية، اكتملت صورة التراجع، ليجد الفريق نفسه محاصرًا بالأخطاء في أكثر توقيت حساسية.
الهلال يسلب عرش النصر
بينما كان النصر غارقًا في دوامة التراجع، ظهر الهلال على النقيض تمامًا، أكثر هدوءًا وثباتًا، مستفيدًا من قراءة فنية دقيقة للمرحلة، فالفريق الأزرق بدا جاهزًا ذهنيًا وبدنيًا، قادرًا على استغلال أي تعثر للمنافس، دون اندفاع أو ضغوط إضافية.
مرونة سيموني إنزاجي التكتيكية لعبت دورًا حاسمًا في هذا التحول، إذ نجح المدرب الإيطالي في إدارة المباريات بواقعية عالية، مع تنويع الأساليب حسب الخصم والظروف، دون التمسك بنهج واحد.
كما أسهمت سياسة التدوير المستمرة في الحفاظ على جاهزية اللاعبين، ومنحت الهلال أفضلية واضحة في فترات الحسم.
هذا التوازن الفني والبدني انعكس مباشرة على النتائج، ليواصل الهلال جمع النقاط بثبات، مستغلًا سقوط النصر المتتالي، حتى نجح في انتزاع الصدارة في توقيت مثالي.
الفارق لم يكن مجرد أرقام في جدول الترتيب، بل رسالة واضحة حول الفارق في إدارة التفاصيل، وهكذا، وفي غمضة عين، وجد النصر نفسه خارج القمة، بعدما سلب الهلال العرش خلال 12 يومًا ملعونة، أعادت رسم خريطة المنافسة.
محاولات التصحيح
رغم قسوة ما حدث، لا يزال أمام النصر مساحة لتصحيح المسار، شريطة الاعتراف بالأخطاء والتعامل معها بواقعية، فالبداية يجب أن تكون على المستوى الفني، عبر إعادة التوازن الدفاعي وتقليل المجازفة، خاصة في المباريات الكبرى، إذ لم يعد أسلوب الدفاع المتقدم مناسبًا في ظل التراجع البدني وغياب الانسجام.
كما يحتاج الجهاز الفني لإيجاد حلول حقيقية لتعويض غياب ساديو ماني، سواء بتعديل الرسم التكتيكي أو إعادة توظيف بعض العناصر، بدل الاعتماد على أسماء لم تقدم الإضافة المنتظرة.
تنويع الحلول الهجومية بات ضرورة، لتخفيف الضغط عن لاعبين بعينهم واستعادة الفاعلية في الثلث الأخير.
وعلى مستوى الأفراد، يتطلب الأمر دعمًا فنيًا ونفسيًا للحارس نواف العقيدي، مع معالجة الأخطاء الدفاعية الجماعية التي حمّلته أعباءً مضاعفة، في الوقت ذاته، سيكون من المهم استعادة المستوى الحقيقي لعناصر الهجوم، وعلى رأسهم فيليكس، الذي يمثل مفتاحًا مهمًا في منظومة الفريق.
وبالتالي، فإن الفترة المقبلة، ستحتاج إلى عمل مكثف في كافة النواحي الفنية والإدارية داخل وخارج الملعب من أجل تصحيح المسار فيما هو قادم.



