لم تكن معركة السوبر ليج يومًا مجرد مشروع كروي عابر، بل كانت إعلان حرب على منظومة كاملة، وزلزالًا هزّ توازنات السلطة في كرة القدم الأوروبية.
واليوم، وبعد أن خمدت نيرانها ظاهريًا في ملاعب العشب، تعود الفتنة نفسها من باب آخر، هو كرة السلة، والآن مشروع NBA Europe لا يهدد فقط هيمنة اليوروليج، بل يعيد فتح الجرح الأعمق بين ريال مدريد وبرشلونة، ويضع الرئيسين فلورنتينو بيريز وخوان لابورتا مجددًا على طرفي نقيض، بعد مرحلة من التحالف الاضطراري.
ووفقًا لما أوردته صحف مثل آس وسبورت، وشبكات دولية مثل BBC Sport وأسوشيتد برس، فإن اللقاءات التي جمعت مفوض الـNBA آدم سيلفر مع أندية كبرى، لم تكن مجرد “جس نبض”، بل محاولة لإعادة رسم خريطة السلطة الرياضية في أوروبا.
برشلونة اختار التموضع داخل النظام، وريال مدريد يلوّح بالخروج عليه. وبين القرارين، تتجدد الحرب، ولكن بسلة بدل كرة.
من السوبر ليج إلى NBA.. الفكرة ذاتها بثوب جديد
عندما أطلق فلورنتينو بيريز مشروع السوبر ليج في كرة القدم، كان المنطق واضحًا، وهو أن القوة ستكون للأندية الكبرى، لا للاتحادات.. نفس هذه الفلسفة تقف اليوم خلف مشروع NBA أوروبا.
ووفق ما كشفته أسوشيتد برس، فإن الدوري الجديد يُبنى على نموذج مغلق نسبيًا، بعضوية دائمة ورسوم دخول قد تصل إلى مليار يورو، وهو ما يعيد للأذهان جوهر السوبر ليج الكروي.
الاختلاف الوحيد أن هذه المرة، الـNBA تتحرك بذكاء أكبر، عبر شراكة مباشرة مع الاتحاد الدولي لكرة السلة FIBA، مستفيدة من هشاشة الوضع المالي للعديد من أندية اليوروليج.
ولكن المعادلة واحدة.. أموال أكثر، تحكم أقل من الاتحادات، وسوق عالمي أوسع.
وهنا، كما في كرة القدم، يظهر ريال مدريد في قلب المشروع، بينما يتراجع برشلونة خطوة إلى الخلف.
برشلونة يختار الاستقرار.. ويصدم مدريد
وفقًا لما نشرته صحيفة سبورت الكتالونية، فإن برشلونة أبلغ رسميًا إدارة اليوروليج استعداده لتوقيع رخصة 10 سنوات دون بند انسحاب خاص، منهيًا أشهرًا من الغموض.
هذا القرار لم يكن رياضيًا فقط، بل سياسيًا بامتياز.
فكما فعل برشلونة في كرة القدم عندما بدأ الابتعاد عن السوبر ليج، يسعى إلى تطبيع العلاقات مع المؤسسات: يويفا هنا، ويوروليج هناك.
وربطت الصحيفة هذا التوجه برغبة لابورتا في حماية النادي ماليًا ومؤسساتيًا، وعدم خوض مغامرات غير مضمونة العواقب.
لكن في مدريد، فُسّر القرار بشكل مختلف تمامًا: انسحاب شريك.. وخيانة تحالف، تمامًا كما حدث في ملف السوبر ليج الكروي.
في ريال مدريد.. الرهان على الثورة لا النظام
ريال مدريد هو النادي الوحيد الكبير الذي لم يوقّع حتى الآن على تمديد رخصة اليوروليج، ووفقًا لصحيفة آس، فإن النادي يرى أن النموذج الحالي خاسر اقتصاديًا، ولا يتناسب مع علامته العالمية.
ولا يرى بيريز في “NBA أوروبا” مجرد دوري، بل فرصة تاريخية لوضع ريال مدريد في صدارة مشروع عالمي جديد، بعيدًا عن صراعات الأندية الأوروبية الداخلية.
لكن جماهير السلة المدريدية أبدت قلقها، بل وأصدرت بيانات تحذر من “الذهاب وحيدًا”، لكن الإدارة تواصل اللعب على الحافة.
كما في كرة القدم، ريال مدريد يريد قيادة الثورة، لا التكيّف مع الواقع.
بيريز ولابورتا.. من تحالف الضرورة إلى حرب الفلسفات
في ملف السوبر ليج الكروي، كان بيريز ولابورتا حليفين ضد يويفا، ولكن اليوم، العلاقة تحولت إلى حرب باردة.
فبرشلونة يرى أن بيريز يستخدم ملفات مثل قضية نيجريرا للضغط السياسي، بعد أن فقد شريكًا استراتيجيًا، وريال مدريد، من جانبه، يعتبر أن برشلونة “تراجع في منتصف الطريق” وفضّل السلامة على المواجهة.
ولم يعد الصراع بين ناديين فقط، بل بين نموذجين للقيادة، الأول بيريز الثوري الذي يريد هدم النظام وبناء آخر، والآخر لابورتا البراجماتي الذي يريد النجاة داخل النظام.
اليوروليج بين التهديد والتحدي
يوروليج، كما قال مديرها التنفيذي باوليوس موتييونايس لـAP، لا تشعر بالذعر، لكنها لا تستخف بالـNBA، فالدوري عزز رخصه، ووسّع شراكاته، ونقل “الفاينال فور” إلى أبوظبي، وفتح الباب لدبي.
لكن الحقيقة أن خروج ريال مدريد سيكون ضربة رمزية هائلة، ولهذا، تشير التقارير إلى أن باب التفاوض سيظل مفتوحًا مع مدريد أكثر من غيره.
كرة السلة تشعل ما لم تُنهه كرة القدم
ما فشلت كرة القدم في حسمه، تعيده كرة السلة إلى الواجهة، فمشروع NBA الأوروبي لا يهدد فقط اليوروليج، بل يعيد إنتاج صراع السوبر ليج، بنفس الأبطال، ونفس الأسئلة.
هل تُدار الرياضة من فوق، أم تُترك لمؤسساتها؟ هل القوة المالية تعني الشرعية؟ وهل يمكن لريال مدريد وبرشلونة أن يقفا مرة أخرى في خندق واحد؟
الإجابة حتى الآن: لا.
فالـ NBA لم تشعل ثورة جديدة فقط، بل أعادت إشعال أقدم فتنة في أوروبا.



