في كرة القدم لا تقاس الفوارق دائما بما يحدث داخل المستطيل الاخضر بل بما يحيط به من منظومات داعمة وقدرة على التخطيط واحترافية في التسويق ووعي بكيفية تحويل الموهبة الى قيمة حقيقية في سوق اللعبة.
هذا الواقع يتجلى بوضوح في حال الكرة اليمنية التي تمتلك رصيدا بشريا واعدا لكنه يظل حبيس الامكانيات المحدودة وغياب النوافذ التي تنقل هذه المواهب الى فضاءات اوسع.
خلال المشاركات الخارجية للمنتخبات اليمنية كثيرا ما تبرز اسماء شابة تظهر قدرات فنية وبدنية لافتة وتقدم مستويات تؤكد ان المشكلة ليست في الموهبة بقدر ما هي في البيئة المحيطة بها. لاعبون يفرضون حضورهم داخل الملعب، ويجذبون الانتباه بادائهم وانضباطهم لكنهم سرعان ما يغيبون عن المشهد لغياب منظومة قادرة على تحويل التميز اللحظي الى فرصة احتراف حقيقية او حتى الى انتقال مدروس نحو دوريات اكثر تنافسية.
المقارنة مع تجارب اقليمية قريبة تكشف حجم الفجوة بوضوح.
ففي دول واجهت ظروفا سياسية واقتصادية معقدة نجحت المؤسسات الرياضية في بناء اليات تسويق ولو بحدها الادنى مكنت لاعبيها من الوصول الى اندية خليجية وعربية واحيانا اوروبية. لم يكن ذلك نتاج وفرة مواهب فقط بل ثمرة عمل منظم شمل اعداد ملفات فنية دقيقة والتواصل مع وكلاء معتمدين والاستفادة من المشاركات الدولية باعتبارها منصات عرض لا مجرد منافسات عابرة.
في المقابل لا يزال المشهد الكروي اليمني يعتمد بدرجة كبيرة على الاجتهادات الفردية والصدف المحدودة. فالتسويق الرياضي بمعناه الاحترافي شبه غائب سواء على مستوى الاندية او المنتخبات. وحتى مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي تبقى الاستفادة منها محدودة اذا لم تدار ضمن خطة واضحة تبرز الارقام والاحصائيات وتقدم اللاعب بصورة احترافية تواكب معايير السوق الكروي الحديث.
ان الحديث عن فتح نوافذ امام المواهب اليمنية لا ينفصل عن دور المؤسسات. فالمنتخب الوطني لا ينبغي ان يكون محطة عابرة بل بوابة عبور نحو فرص اكبر. والاندية مطالبة بالتحول من مجرد منصات مشاركة محلية الى مؤسسات منتجة وقادرة على تصدير لاعبيها وحماية حقوقهم والاستفادة من انتقالهم كجزء من دورة اقتصادية رياضية مستدامة.
كما ان الاعلام الرياضي شريك اساسي في تسليط الضوء المهني بعيدا عن المبالغة او التجاهل.
في المحصلة تملك الكرة اليمنية طاقات شابة قادرة على المنافسة اذا ما احسن التعامل معها. لكن بقاء هذه المواهب داخل دائرة مغلقة سيبدد الكثير من الفرص ويجعل الاحلام رهينة الانتظار. فتح النوافذ لم يعد خيارا مؤجلا بل ضرورة تفرضها طبيعة اللعبة وسوقها المتغير. فاما منظومة ترى في الموهبة استثمارا طويل الامد او واقع يستمر في اهدار الامكانات ويكتفي بتسجيل الحضور دون ان يترك اثرا حقيقيا في خارطة كرة القدم الاقليمية والدولية.



