لم تعد الأضواء في كرة القدم الإسبانية مسلطة فقط على مبابي وفينيسيوس جونيور وبيدري ولامين يامال وغيرهم من اللاعبين، بل تحول الحكام إلى أحد أبرز نجوم الموسم، ولكن في أسوأ صورة ممكنة.
فمن ريال مدريد إلى برشلونة، مرورا بالحكام السابقين ورئيس لجنة الحكام السابق، بات الجميع تقريبا يطلق النار على منظومة التحكيم، وسط شعور عام بأن الحلقة الأضعف في كرة القدم الإسبانية هي الصافرة نفسها، وأن الثقة في نزاهة واحترافية الحكام لم تبلغ هذا المستوى من التآكل منذ عقود.
تصريحات كيليان مبابي المهينة للحكام في ميستايا، وغضب برشلونة العارم من إلغاء هدف باو كوبارسي أمام أتلتيكو مدريد في كأس الملك، وهجوم قناة ريال مدريد المنهجي على الحكام، وصرخات فينيسيوس جونيور بأنه يفتقر للحماية، ثم اعترافات الحكم السابق إسترادا فرنانديز بأن “التحكيم في البرنابيو ليس كغيره في الملاعب الأخرى”، كلها حلقات في سلسلة واحدة ترسم صورة لتحكيم واقع بين مطرقة الكبار وسندان الشك العام.
من نيجريرا إلى زمن الفار
منذ انفجار قضية نيجريرا، وظهور شبهات الفساد التاريخية المرتبطة بنائب رئيس لجنة الحكام السابق، لم تنجح كل محاولات الاتحاد الإسباني في استعادة الثقة في المنظومة.
فإدخال تقنية الفار، وإعادة هيكلة لجنة الحكام أكثر من مرة، وتغيير الوجوه (من ميدينا كانتاليخو إلى فرنسيسكو سوتو) لم تنه الجدل، بل في أحيان كثيرة زادته تعقيدا.
لويس ميدينا كانتاليخو، الرئيس السابق للجنة، قدم قبل موسمين أرقاما للدفاع عن التحكيم، يشير فيها لانخفاض عدد ركلات الجزاء والبطاقات الحمراء، وتراجع تدخلات الفار، مؤكداً أنه راض جدا عن مستوى التحكيم، وفي الوقت نفسه، اعترف بارتفاع كبير في العقوبات المرتبطة بالاحتجاجات والإهانات، ما يعكس مناخا مشحونا بين الفرق والحكام.
لكن هذه اللغة الإحصائية لم تقنع الأندية ولا الإعلام.
اللجنة حاولت إظهار قدر من الشفافية بنشر مقاطع صوتية منتقاة من تواصل الحكم مع غرفة الفار في الكلاسيكو وغيره، غير أن أصواتا كثيرة، بينها محللون وحكام سابقون، اعتبرت أن الشفافية الحقيقية تعني بث هذه الحوارات بشكل حي أو على الأقل إتاحتها كاملة، لا في نسخ مقصوصة.
وفي هذا المناخ الملتهب، جاءت موجة الانتقادات الأخيرة من كل أطراف المنظومة، ريال مدريد، برشلونة، والحكام أنفسهم، لتجعل التحكيم الإسباني في قلب عاصفة غير مسبوقة.
قناة ريال مدريد.. محكمة تليفزيونية للحكام
ريال مدريد اختار أن يخوض معركته مع التحكيم عبر قناة النادي الرسمية، التي تحولت في الموسمين الأخيرين إلى ما يشبه “محكمة تلفزيونية” للحكام، تبث قبل وبعد كل مباراة فيديوهات مطولة تحصي أخطاء حكم بعينه في مباريات سابقة، خصوصاً عندما يكلف بإدارة لقاء للفريق الملكي.
هذا الأسلوب أثار حفيظة رابطة الليجا وأندية أخرى، وانتهى بفتح ملفات تأديبية وطلبات تحقيق، وسط اتهامات بأن النادي يمارس ضغطا منظما ومسبقا على الحكام قبل دخولهم أرض الملعب، وأن هذه الفيديوهات تضعف صورة التحكيم وتغذي نظرية “المؤامرة التحكيمية” في الشارع الرياضي.
لجنة الحكام ردت بخطوة إجرائية، تتمثل في تقليص المدة بين إعلان أسماء الحكام وإقامة المباريات إلى 24 ساعة فقط، لتقليل هامش إعداد ملفات مفصلة عن كل حكم في قناة النادي، في خطوة رأى فيها كثيرون اعترافا ضمنيا بتأثير هذا النوع من الضغط.
بعد جديد مع فينيسيوس
أما قصة فينيسيوس جونيور فقد أعطت بعدا أخطر للصراع بين ريال مدريد والتحكيم.
فاللاعب البرازيلي الموهوب كان ضحية لعدة حوادث عنصرية في الملاعب الإسبانية، أشهرها ما حدث في ميستايا أمام فالنسيا، حين توقفت المباراة بسبب هتافات عنصرية، قبل أن ينتهي الأمر بطرده بعد اشتباك مع لاعب من المنافس.
فينيسيوس لم يتردد في مهاجمة الليجا والحكام علنا، معتبرا أن “العنصرية أصبحت أمرا طبيعيا في الدوري الإسباني”، وأن السلطات – ومن ضمنها الحكام – لا توفر له الحماية الكافية.
ريال مدريد بدوره تقدم بعدة شكاوى رسمية، ووجه أصابع الاتهام إلى بعض الحكام بعدم تضمين الإهانات العنصرية في تقارير المباريات كما يجب.
بهذا، لم يعد الخلاف مجرد اعتراض على ضربة جزاء أو بطاقة حمراء، بل امتد إلى سؤال أخلاقي أكبر حول دور التحكيم في حماية اللاعبين، خاصة في القضايا الحساسة مثل العنصرية.
مبابي والمهرجون والنزول إلى الثلاجة
انضم كيليان مبابي سريعا إلى دائرة التوتر، ففي مباراة ريال مدريد الأخيرة أمام فالنسيا في “ميستايا”، احتج النجم الفرنسي على قرار تسلل مثير للجدل.
ورصدت الكاميرات مبابي يذهب إلى الحكم الرابع عقب انتهاء الشوط الأول، قائلا: “كيف يمكن أن تكون هذه الحالة تسللا؟ أطلب منك تفسيرا”.
ورد الحكم الرابع: “مع وجود الكاميرات الأمر معقد، أنا آسف، لنتحدث في الداخل”.
وأضاف مبابي: “حسنا، لنذهب إلى الداخل إذن، لأنني لا أفهم، لماذا لا تأتي يا (متفوها بسباب باللغة الفرنسية) تجاه الحكم، ما دمت قلت لي لنتحدث في الداخل؟”.
وبمجرد دخول النفق المؤدي لغرف الملابس، قال الحكم لمبابي: “لقد تحدثنا بالفعل”.
ورد مبابي محتجا: “أنت تأتي إلى هنا لتتحدث ولكنك لا تنظر إلي حتى، قلت لي لنتحدث في الداخل، وها أنا في الداخل، لماذا لا تتحدث؟”.
وانفعل مبابي في احتجاجاته، حيث نظر إلى زميله إدواردو كامافينجا، وقال له: “إن هؤلاء الحكام مهرجون يا أخي”.
القضية انفجرت إعلاميا، لكن لم تعلن أي عقوبة تأديبية ضد مبابي، رغم أن التصريح التقطته الكاميرات بوضوح.
هذا الغياب للعقوبة هو ما استغله الحكم السابق إسترادا فرنانديز لاحقاً في تصريحاته، مشددا على أن اللجنة التأديبية كان يمكن أن تتحرك من تلقاء نفسها لمعاقبة اللاعب دون انتظار لتقرير الحكم، وأن عدم القيام بذلك “يكافئ سلوكاً غير محترم، ويكشف هشاشة الحكام”.
إسترادا ذهب إلى أبعد من ذلك حين أكد أن الحكام يدركون أن طرد لاعب بحجم مبابي قد يكلفهم “النزول إلى الثلاجة” والإيقاف عن التحكيم لفترة، وأن هذا الخوف يجعلهم أكثر تساهلا مع نجوم الفرق الكبرى، وأشد صرامة مع لاعبي الأندية الصغيرة.
المعسكر الآخر.. برشلونة ينفجر
الهزيمة الثقيلة 4-0 لبرشلونة أمام أتلتيكو مدريد في ذهاب نصف نهائي كأس الملك على ملعب متروبوليتانو لم تكن مجرد تعثر رياضي، بل فجرت غضبا مؤسسيا عارما داخل النادي الكتالوني ضد التحكيم.
ففي بداية الشوط الثاني، وعند النتيجة 4-0، سجل باو كوبارسي هدفا بدا أنه يعيد بصيص أمل العودة، لكن الفرحة توقفت لنحو 6–7 دقائق بسبب مراجعة مطولة من تقنية الفيديو، انتهت بإلغاء الهدف بداعي تسلل على روبرت ليفاندوفسكي الذي لمس الكرة قبل أن تصل للمدافع الشاب.
لجنة الحكام أصدرت لاحقاً توضيحا لسبب الإطالة في المراجعة، كاشفة أن نظام التسلل شبه الآلي لم يستطع تجسيم اللاعبين بسبب كثافة عددهم في المنطقة، ما اضطر الطاقم إلى رسم خطوط التسلل يدويا، في حالة بالغة الدقة، قبل أن يحسم القرار ضد برشلونة.
لكن هذا التفسير لم يهدئ من غضب الكتالونيين، بل زاد من شعورهم بأن أخطاء التقنية تستخدم ضدهم في لحظات حاسمة.
“نعرف ضد من نلعب”
فرينكي دي يونج نجم برشلونة كان من أكثر اللاعبين صراحة بعد اللقاء.
اللاعب قال إنه شاهد اللقطات بوضوح بعد المباراة، مؤكدا أن الصورة التي تم عرضها لا تظهر لحظة لمس الكرة، وأن الصورة الأخرى التي ظهر فيها فيرمين لوبيز يسدد، توضح أن المدافع المنافس يبعد مترا كاملا خلف ليفاندوفسكي.
ثم أطلق جملة قوية انتشرت سريعا “إذا كانت اللقطة التي رأيتها هي ما استند إليه في القرار، وإذا لم تكن صورة ذكاء اصطناعي أو شيئا من هذا القبيل، فالأمر فضيحة، لأنها توضح تماما أن الهدف صحيح”.
أما زميله إريك جارسيا، فذهب في الاتجاه نفسه، حين قال إنهم “يعرفون جيدا ضد مَن يلعبون”، في إشارة إلى أن برشلونة لا يقف فقط في مواجهة أتلتيكو، بل أيضا ضد معايير تحكيم يعتبرها غير منصفة.
صحف إسبانية وصفت القرار بأنه “عار وفضيحة”، وأكدت أن غرفة الملابس الكتالونية ترى في الهدف الملغى نقطة تحول نفسية في المباراة، حتى لو كانت النتيجة قد تبدو محسومة فنيا.
فليك: هذا جنون!
هانز فليك مدرب البارسا، حاول في البداية الفصل بين الأداء الكارثي في الشوط الأول والنقاش التحكيمي، لكنه لم يخف إحباطه من طريقة إدارة الفار للواقعة، فوصف طول المراجعة بأنه “جنون”، متسائلا: “7 دقائق لاتخاذ قرار؟ حقا؟”.
وأكد فليك أنه عندما شاهد اللعبة لم ير أي تسلل، داعيا الحكام إلى شرح ما رأوه إذا كان لديهم أي منظور مختلف.
كما اشتكى من غياب التواصل، قائلا إن من حق الفرق أن تفهم أسباب إلغاء هدف بهذه الأهمية.
لابورتا: المطر يهطل على نفس الرأس دائما
ديكو، المدير الرياضي للبارسا، ركز على زاوية أخرى، حين هاجم استخدام الفار بشكل عام، وخص بالذكر تدخل جوليانو سيميوني العنيف على أليخاندرو بالدي، الذي انتهى ببطاقة صفراء فقط، قائلا: “لا أرى تحسنا مع الفار، بل أصبح من الصعب فهم القرارات، استغرقوا 10 دقائق لتقييم حالة الهدف الملغي، لو راجعوا تدخل سيميوني على بالدي ربما لكانت بطاقة حمراء أيضا”.
أما خوان لابورتا رئيس البارسا المستقيل مؤخرا من أجل الترشح مجددا للانتخابات، فصعد الخطاب إلى مستوى أعلى.
رئيس برشلونة نشر رسالة غاضبة على منصة إكس، وصف فيها الهدف الملغى بأنه امتداد لسلسلة سابقة من الأخطاء، مذكراً بهدف آخر ملغي للامين يامال أمام ريال سوسيداد في أنويتا، معتبراً أن “لا شيء بريء” وأن “المطر يهطل على نفس الرأس دائماً”، داعيا ناديه إلى “القتال ضد كل شيء وكل الناس”.
شكوى برشلونة وسخرية ريال مدريد
غضب برشلونة لم يتوقف عند التصريحات، فالنادي بعث برسالة احتجاج رسمية إلى الاتحاد الإسباني ورئيس لجنة الحكام، ومسؤولي الفار، عبر فيها عن قلقه العميق من “غياب معيار تحكيمي موحد”، وأشار إلى “معايير متناقضة” في احتساب لمسات اليد داخل المنطقة، و”تراكم أخطاء واضحة ومؤثرة”، يراها النادي متكررة وضده على مدار الموسم.
ودعا البارسا إلى “مراجعة عاجلة” لمعايير التحكيم، وضمان “المساواة في المعاملة بين الأندية” واستعادة “مصداقية المسابقات”.
واقترح البارسا إنشاء “نظام تأديبي خاص بسلك التحكيم” يتضمن عواقب علنية وشفافة للأخطاء الجسيمة أو الإهمال.
رد فعل قناة ريال مدريد على شكوى برشلونة كان ساخرا، إذ وصفت القناة شكوى الغريم التقليدي بأنها مزحة و”أغنية هزلية”، ملمحة إلى أن النادي الكتالوني “المتورط في قضية نيجريرا”، آخر من يحق له الحديث عن “نظافة التحكيم”.
واقعتا كريستيانو ومبابي.. “التحكيم في البرنابيو ليس كغيره”
الانتقادات لم تأت فقط من الأندية، بل خرجت من داخل بيت الحكام نفسه.
فإدواردو إيتورالدي جونزاليس، الحكم الدولي السابق والمحلل التحكيمي الشهير في إذاعة كادينا سير، شن أكثر من هجوم على الهيكلة الجديدة للجنة الحكام تحت رئاسة فران سوتو.
لكن القنبلة جاءت من خافيير إسترادا فرنانديز، الحكم الدولي السابق الذي استغل تقديم كتابه الجديد “المباراة التي لا تراها” ليقدم رواية صادمة عن كواليس التحكيم الإسباني، وخاصة في المباريات الكبرى.
إسترادا تحدث لصحيفة سبورت الكتالونية، مؤكدا أن لجنة الحكام لا تملك “أي قدر من الشفافية”، كما أكد “هناك خوف من تحكيم مباريات الفرق الكبيرة، الذهاب إلى غرناطة وطرد مهاجم غرناطة، لا يحدث شيء، لكن الذهاب إلى البرنابيو وعدم امتلاك الشجاعة لطرد فينيسيوس أو بيلينجهام بسبب الضجة الإعلامية، هذا شيء آخر، ما زال هذا سرا مكشوفا لا يجرؤ كثيرون على قوله”.
واستدل بواقعة مبابي ووصفه للحكام بأنهم مهرجون خلال لقاء فالنسيا، قائلا إن عدم عقاب اللاعب الفرنسي “مثال آخر على خوف الحكام من معاقبة النجوم ذوي التركيز الإعلامي الهائل”، مؤكدا أن نفس الحكام “سيطردون لاعبي فرق صغيرة لأسباب أقل بكثير دون أي تردد”.
وروى أنه بعد طرده كريستيانو رونالدو ببطاقتين صفراوين في أول مباراة له في البرنابيو، تلقى اتصالا في اليوم التالي من رئيس لجنة الحكام آنذاك، سانشيز أرمينيو، يسأله: “ماذا حدث؟”، في إشارة إلى حساسية طرد نجم بهذا الحجم.
وفي مقابلات لاحقة ذكر أنه ظل قرابة عامين دون أن يكلف بتحكيم مباريات لريال مدريد، ما رسخ لديه قناعة بأن الثمن المهني لقرارات كبيرة ضد نجوم الأبيض مرتفع جدا.
إسترادا لخص المعادلة بعبارة قاسية: “الحكام يعرفون أن طرد نجم كمبابي أو فينيسيوس قد يؤدي إلى وضعهم في الثلاجة، بينما طرد مهاجم غرناطة لن يهز أحدا”، والنتيجة، في رأيه، تحكيم غير موحد المعايير، يفتقر إلى الاحترافية والشجاعة.
في مرمى النيران
المشهد العام اليوم يكشف تحكيما محاصرا من كل الجهات، فريال مدريد يستخدم كل أدواته لمهاجمة الحكام، وبرشلونة، على الجانب الآخر، يصور نفسه كضحية تراكم الأخطاء، من هدف ليامين يامال الملغى في أنويتا إلى هدف كوبارسي الملغى في المتروبوليتانو.
والحكام يهاجمون طريقة إدارة المنظومة الجديدة، ومنهم من ذهب إلى حد القول إن التحكيم لا يطبق معيارا واحدا على البرنابيو وبقية الملاعب.
وفي الخلفية، ظلال قضية نيجريرا ما زالت حاضرة، ومعها شعور لدى قطاعات واسعة من الجماهير والإعلام بأن الثقة في الحكم كطرف محايد تضررت بشدة، وأن كل خطأ، مهما كان طبيعيا في كرة القدم، يقرأ اليوم عبر عدسة الشك والتآمر.
وسط كل ذلك، يجد حكام إسبانيا أنفسهم تحت النار من كل الاتجاهات، فكل صافرة، وكل حالة تسلل، وكل بطاقة، مرشحة لأن تتحول إلى قضية رأي عام جديدة.



