قبل أقل من 4 أشهر على انطلاق مونديال 2026، يقف ليونيل ميسي أمام مفترق طرق لا يشبه أي محطة سابقة في مسيرته الأسطورية.
الرجل الذي صعد إلى قمة العالم في قطر، واعتقد كثيرون أنه أغلق كتاب الأحلام إلى الأبد، يجد نفسه اليوم أمام سؤال قاسٍ: هل يملك ما يكفي ليحلم مجددًا؟
الفرصة استثنائية بكل المقاييس، لقب ثانٍ تواليًا، وإنجاز لم يسبقه إليه قائد في تاريخ اللعبة، لكن الصورة لم تعد ناصعة كما كانت، أداء باهت، مؤشرات بدنية مقلقة، وجيل أرجنتيني فقد شيئًا من بريقه الذي صنع المجد قبل أعوام قليلة.
هل يبدو البرغوث قادرًا حتى على المشاركة في العُرس الكروي الأهم؟ هذا السؤال يطرح نفسه بعد الصورة الضعيفة التي ظهر عليها ميسي في أول مباراة من موسمه بالدوري الأمريكي.
ورغم أنه لا يمكن إصدار حكم على حالة ميسي البدنية والفنية بناءً على مباراة واحدة، إلا أنها كشفت عن إشارات سلبية تثير الخوف في الأرجنتين، التي تضع كل آمالها على لاعب واحد.
فرصة استثنائية
قد يعتقد البعض أن ميسي حقق كل ما يمكن تحقيقه في كرة القدم بتتويجه بكأس العالم 2022، إلا أنه يتطلع للمزيد، والدليل أنه لم يعتزل اللعبة بعد، ويكافح للمشاركة في النسخة المقبلة من البطولة.
كأس العالم التي تقام الصيف المقبل في الولايات المتحدة الأمريكية ستمنح ميسي فرصة لإضافة صفحة جديدة إلى إرثه، ومزاحمة نخبة كرة القدم العالمية للمرة الأخيرة.
وفي حال نجح في تكرار فوزه باللقب العالمي لن يكون مجرد لاعب فاز بالبطولة مرتين، وإنما سيصبح أول لاعب في تاريخ اللعبة يقود منتخب بلاده للفوز بكأس العالم مرتين متتاليتين بصفته قائدًا.
أداء كارثي.. وغضب يكشف عن ضغوط
يدرك ميسي أن مونديال 2026 يمثل “الرقصة الأخيرة” في مسيرته، على الأقل على الصعيد الدولي، ولم يكن يتخيل أن يبدأ العام بأداء باهت وهزيمة قاسية.
ميسي، الذي حوّل إنتر ميامي من فريق بعيد عن المنافسة إلى بطل الدوري الأمريكي وأحد كبار القوم في بلاد العم سام، خيّب آمال محبيه بالخسارة على يد لوس أنجليس، الذي يضم بين صفوفه الكوري الجنوبي سون هيونج مين والفرنسي هوجو لوريس.
بدا القائد المخضرم بعيدًا عن مستواه في هذه الهزيمة، واعتزل صديقاه القديمان جوردي ألبا وسيرجيو بوسكيتس، بينما تراجع دور لويس سواريز وأصبح بعيدًا عن المشهد.
فطوال 90 دقيقة في المباراة، لم يسدد ميسي أي كرة في إطار المرمى، حسب إحصائيات “أوبتا”، وعلى غير عادته مرر 49 تمريرة فقط بينها 36 صحيحة بنسبة نجاح بلغت 73.5%، فيما لعب 4 كرات طولية، 2 منها فقط صحيحة.
ولم يسدد إنتر ميامي سوى 3 مرات في إطار المرمى، وصنع فرصة كبيرة واحدة طوال المباراة.
ليس هذا فحسب، وإنما كشف مشهد غضب ميسي النادر من أداء الحكم عقب المباراة عن الضغوط التي يعاني منها البرغوث في موسمه المهم.
ميسي جري غاضبًا تجاه غرفة الحكم، قبل أن يبعده سواريز بصعوبة، الأمر الذي هدده بعقوبة تأديبية من رابطة الدوري الأمريكي.
صراحة وشكوك
استنادًا إلى الصورة التي ظهر عليها ميسي، يمكننا القول إن مغامرة النجم الأرجنتيني في المونديال لن تكون سهلة، كما يعتقد البعض.
كان ميسي صريحًا حين أكد أنه سيعتزل اللعب الدولي إذا لم يشعر بأنه في المستوى المناسب، وبالتالي فإن الأشهر القليلة المقبلة في الدوري الأمريكي ستكون حاسمة في اتخاذ هذا القرار.
حتى هذه اللحظة لم يؤكد ميسي مشاركته في كأس العالم بشكل حاسم، حيث صرح في أكتوبر الماضي “أود أن أكون هناك (في كأس العالم)، وأن أكون بحالة جيدة وأن أكون جزءًا مهمًا في مساعدة منتخب بلادي، إذا كنت حاضرًا.”
وأضاف “سأقيّم الأمر يومًا بيوم عندما أبدأ فترة الإعداد للموسم المقبل مع إنتر ميامي، لأرى إن كنت قادرًا فعلًا على أن أكون في أفضل حالاتي. أنا متحمس جدًا لأن الأمر يتعلق بكأس العالم.”
الجانب المشجع بالنسبة للأرجنتين هو أنها فازت بكوبا أمريكا الأخيرة دون أن يكون ميسي في أفضل حالاته المعهودة.
لم يكن القائد مؤثرًا كما كان في التتويج السابق أو في كأس العالم بقطر، لكن زملاءه تقدموا وتحملوا المسؤولية، لا سيما عندما اضطر إلى مغادرة المباراة النهائية بسبب الإصابة.
ومع ذلك، لا يبدو ليونيل سكالوني، مدرب الأرجنتين، مستعدًا بعد للنظر إلى مستقبل دون الهداف التاريخي للمنتخب.
وقال سكالوني في ديسمبر “هو من سيقرر، وسندعم أي قرار يتخذه. من حيث المبدأ، كل شيء يسير بشكل جيد، لكن 6 أشهر فترة طويلة، وما زال هناك وقت”.
ناقوس خطر
كانت هناك آراء ترى أن تقدم ميسي في العمر وتراجع مردوده البدني ليس مشكلة كبيرة للأرجنتين لأن جهود زملائه الأقل سنًا سيعوّض قلة حركته داخل الملعب، لكن الواقع يبدو مختلفًا إلى حد كبير.
وأشار تقرير حديث في الصحافة الأرجنتينية إلى أن سكالوني يشعر بالقلق حيال مستوى عدد من لاعبيه الأساسيين خلال هذه المرحلة التحضيرية الحساسة.
فمعظم العناصر التي ساهمت إلى جانب ميسي في التتويج بمونديال قطر تراجعت بصورة ملحوظة.
مستوى أليكسيس ماك أليستر لم يعد كما كان في الموسم الماضي مع ليفربول، وتعرض لاوتارو مارتينيز لانتكاسة جديدة بسبب الإصابة، ستبعده عن الملاعب لنحو شهر، وسط شكوك حول استعادة مستواه.
أيضًا يعاني كريستيان روميرو مع توتنهام هوتسبير الذي يكافح لتفادي الهبوط، فضلًا عن الغضب الجماهيري ضده بسبب تهوره وحصوله على بطاقة حمراء في مباراة مانشستر يونايتد، ما أبعده 4 مباريات للإيقاف.
أما جوليان ألفاريز فلم يسجل أهدافًا في الدوري الإسباني منذ مطلع نوفمبر الماضي حيث لعب 14 مباراة في المسابقة دون أن يهز الشباك، واكتفى بتمريرة حاسمة واحدة.
كما أن لاعبين شبابًا مثل أليخاندرو جارناتشو لم يحققوا التطور المأمول، بينما بلغ نيكولاس أوتاميندي عامه الثامن والثلاثين، ولا يبدو أن بنفيكا حاضر بقوة في سباق لقب الدوري البرتغالي. وحتى الآن، لم يظهر بديل واضح لأنخيل دي ماريا.
ووسط كل هذه المشاكل، يبدو أن وجود ميسي “في أفضل أحواله” بات ضرورة ملحة لمنتخب التانجو، إذا أراد المنافسة على اللقب، وتجنب مصير مظلم لأبطال سابقين خرجوا مبكرًا من النسخة التالية، مثل فرنسا في 2002، وإيطاليا 2010، وإسبانيا 2014، وألمانيا 2018.



