في مساء بدا مزدحما بالأحداث على أكثر من جبهة، كانت الكرة السعودية تعيش لحظة مفصلية قد لا تظهر أبعادها كاملة إلا بعد أشهر. في جدة، مساء الثالث عشر من أبريل الجاري، خرج الهلال من دوري أبطال آسيا على يد السد القطري، ومديره الفني روبرتو مانشيني الذي قاده بعشرة لاعبين أجانب. وفي الوقت نفسه تقريبا، جاء من واشنطن خبر استقالة مات كروكر من منصب المدير الرياضي في الاتحاد الأمريكي لكرة القدم، وسط تقارير متزايدة عن توجهه نحو المنصب نفسه في الاتحاد السعودي للعبة.
للوهلة الأولى ربما يُعتقد أنها وقائع منفصلة ظاهريا، لكنها في الحقيقة تنتمي إلى قصة واحدة: الاتحاد السعودي لكرة القدم يبحث أخيرا عن إجابة لسؤال طرحه مانشيني قبل عامين بصراحة شديدة، وقوبل وقتها بالنقد، بينما يبدو اليوم وكأنه يتحرك بحثا عن الرجل القادر الإجابة على ذلك السؤال وتحويله إلى مشروع إصلاح كامل.
تحديد المشكلة.. ثمن باهظ
لم يكن مانشيني المدير الفني للمنتخب السعودي في الفترة بين أغسطس 2023 وأكتوبر 2024 مجرد مدرب منحه الأخضر ثقته فخانها ورحل. فقد جاء بعدما قاد إيطاليا إلى لقب يورو 2020، ومن قبلها صنع تاريخا في مانشستر سيتي بلقب البريميرليج 2012، لكنه وجد نفسه أمام معضلة لا تحلها الخبرة التكتيكية وحدها.
قال مانشيني بوضوح لا يحتمل التأويل: “قبل ثلاث سنوات كان اللاعبون السعوديون يلعبون في كل مباراة. اليوم، 50 إلى 60 بالمئة منهم لا يشاركون الآن. هذه هي المشكلة الأولى والوحيدة التي نواجهها في هذا الدوري”.
لم يكن هذا نقدا مجردا لكن كان توثيقا ميدانيا يدعمه الواقع بالأسماء والأرقام. في مؤتمر صحفي عقب تعادل محرج أمام إندونيسيا، طرح مانشيني الأسئلة علنا: “هل يلعب محمد العويس بانتظام مع الهلال؟ بالطبع لا. هل يشارك حسان تمبكتي؟ مصعب الجوير كان أفضل لاعبينا اليوم، ومع ذلك لا يلعب بشكل منتظم مع ناديه. نواجه منتخبات لاعبوها يلعبون في كل مباراة (في المسابقات المحلية)”.
وحين سئل عن حلول، أجاب بصدق: “لا يوجد حل فوري”. في مقابلة سابقة مع صحيفة واشنطن بوست، أكد أنه يملك “20 لاعبا يجلسون على مقاعد البدلاء في المباريات المحلية”، مطالبا بتعاون أعمق بين المنتخب والأندية.
لم يكن الاتحاد السعودي مستعدا لتحمّل تبعات هذه الحقيقة، وفي أكتوبر 2024، وصل الطرفان إلى اتفاق مشترك على إنهاء العقد، إثر نتائج مخيبة -لا يمكن إنكارها-، شملت تعادلات مع البحرين وإندونيسيا في تصفيات كأس العالم 2026، لكن المشكلة الأصلية التي أشار إليها بقيت على حالها.
مفارقة معبرة
في نوفمبر 2025، وبعد أقل من شهر على استقالته من المنتخب السعودي، وقّع مانشيني عقدا لمدة موسمين ونصف مع نادي السد القطري، ليحلّ محل فيليكس سانشيز في فريق كان يحتل المركز السادس في دوري نجوم قطر.
وفي الثالث عشر من أبريل 2026، دخل مانشيني ستاد الأمير عبد الله الفيصل في جدة من بوابة المنافس. قدّم الإيطالي قائمة تضم 10 أجانب، وانتهت المباراة 3-3 بعد الوقت الإضافي، وتأهّل السد 4-2 بركلات الترجيح، بعد أن عاد ثلاث مرات من الخلف.
كانت إحصاءات السد ذات دلالة: 24 تسديدة مقابل 19 للهلال، و13 تسديدة على المرمى مقابل 6 فقط للنادي الأزرق. هنا تكتمل الصورة الأقسى: المدرب الذي أُقيل لأنه اشتكي من تأثير الأجانب، عاد ليهزم الهلال -ركيزة المنتخب السعودي- بنجومه الأوروبيين من دوري الأبطال، دون أن يغيّر أسلوبه قيد أنملة. لقد أثبت فقط أنه لم يكن فاشلا لكن أدواته في المنتخب السعودي كانت أقل كثيرا من المطلوب وأن مشكلة ندرة المشاركات والجودة هي أساس المعضلة المستمرة.
تأثير الفراشة
ثمة خيط درامي واضح يربط بين تصريحات مانشيني، وخسارة الهلال، والتحرك الإداري المنتظر في الاتحاد السعودي. حين قال مانشيني إن اللاعبين السعوديين لا يشاركون بما يكفي، بدا وكأنه يشتكي أو يبرر. لكن بعد أشهر، عاد الملعب ليقول الشيء نفسه بلغة أقسى من أي مؤتمر صحفي.
ما جرى في جدة لم يكن مجرد خسارة لنادٍ كبير، بل لحظة أعادت ترتيب المعاني.
وفي اليوم التالي، من واشنطن، جاء خبر استقالة مات كروكر واتجاهه المُرجَّح نحو الرياض. التزامن في التوقيت قد يكون صدفة. لكن المنطق الداخلي للأحداث ليس صدفة أبدا.
كلمات مانشيني التي أُهينت في لحظة قولها، ترسّبت ببطء -ربما- في عقول أصحاب القرار، وحين جاءت لحظة الشك الكبرى، وجدوا تلك الكلمات جاهزة، موثّقة، مؤكّدة بالأرقام، فكان كروكر — إن صحّت التقارير — هو الإجابة التي صاغ سؤالها مانشيني… هكذا يعمل تأثير الفراشة.
ماذا قالت أرقام الدوري السعودي؟
ما كان يصفه مانشيني بالكلمات، أكدته أرقام مستقلة بالوقائع. وفقا لتقرير شركة فوتبول بنشمارك المتخصصة في التحليل الاقتصادي للكرة، لم يتجاوز نصيب اللاعبين السعوديين دون 23 عاما من إجمالي دقائق الدوري السعودي سوى 10%، وهو رقم هزيل أمام ما تحققه الدوريات الأوروبية الكبرى: فرنسا 27%، وإسبانيا 19%، وإنجلترا 18%، وألمانيا 17%، وإيطاليا 16%.
ومن ثم زاد قرار رفع عدد اللاعبين الأجانب الجرح عمقا، رغم أهميته في خريطة تطوير كرة القدم السعودية.
إصلاح المنظومة: كروكر وتنشيط “الحمض النووي”
أعلن مات كروكر، المدير الرياضي للاتحاد الأمريكي لكرة القدم استقالته من منصبه. ونقلت شبكة فوكس سبورتس، وأكدت ESPN ووكالة أسوشيتد برس نقلا عن مصادر مطلعة، أنه يتوجه نحو دور مماثل في الاتحاد السعودي لكرة القدم، غير أن الاتحاد السعودي لم يُصدر أي بيان رسمي بهذا الشأن حتى تاريخ كتابة هذه السطور.
وإن صحّت هذه التقارير، فإن الاختيار سيكون محسوبا إلى أقصى حد. كروكر ليس مديرا رياضيا عاديا. إنه أحد مهندسي ما يُعدّ من أكثر مشاريع التحول الكروي نجاحا في العقود الأخيرة: مشروع شباب إنجلترا.
في نهايات عام 2014، جلس كروكر -بصفته رئيسا لتطوير الفرق القومية في الاتحاد الإنجليزي – إلى جانب دان أشورت والمدير الفني جاريث ساوثجيت، ليخرجوا معا بوثيقة سمّوها “الحمض النووي الإنجليزي”: فلسفة موحدة تسري عبر جميع المنتخبات من عمر 16 عاما حتى المنتخب الأول.
لم يكن ذلك مجرد شعار. أدرك أشورت وكروكر أن خط المشاركات المنتظمة والتجارب الدولية هي أفضل طريق لتراكم الخبرات منذ الصغر، فأُنشئت منتخبات للأعمار غير الموجودة سابقا، وربطت بفلسفة لعب ومنهجية تدريبية موحدة.
أسهم كروكر في تأسيس موجة النجاحات الشبابية الإنجليزية: كأس العالم تحت 17 وتحت 20 في عام 2017، والبطولة الأوروبية تحت 19 عاما في 2019. لاحقا لم يكن انتقال ساوثجيت للمنتخب الأول عبثا، بل لاستكمال التجربة وتطبيق الأفكار نفسها على المستوى الأعلى والاستفادة مما زرعوه في الفئات السنية لتعود إنجلترا للواجهة بعد غياب طويل.
وفي تجربته الأخيرة في الولايات المتحدة، أطلق كروكر مشروعا مماثلا، لتوحيد الفلسفة والفكر عبر جميع المنتخبات… لذلك ستكون مهمته المرتقبة في السعودية واضحة -إن تأكدت رسميا – لن يأتي لإصلاح فريق، بل إعادة تصميم منظومة بأكملها.
الهدف الأهم.. مونديال 2034
هنا يكتسب المشهد أبعاده الكاملة، بالنظر للسنتين الفاصلتين بين إقالة مانشيني والمسار المرتقب لكروكر، يجب الإسراع في وضع حجر الأساس لمنتخب مونديال 2034، فالمعطيات تُحدد الإطار الزمني بوضوح: إذا أُخذ بمعيار أن متوسط عمر لاعبي كأس العالم يبلغ 25-27 عاما، فإن العمود الفقري لمنتخب 2034 يبلغ اليوم نحو 18 عاما أو أقل قليلا.
ويعني ذلك أن ما يزرعه الاتحاد السعودي لكرة القدم في الأكاديميات اليوم هو بالضبط ما سيحصده الأخضر بعد ثماني سنوات أمام العالم، فجوهر اللحظة الحالية: السعودية لم تعد تحتاج فقط إلى مدرب يختار أفضل قائمة ممكنة، بل إلى مسؤول يعيد ترتيب المنظومة من الأساس.
ساعة رملية.. معركة على 3 جبهات
مهمة أي مدير رياضي قادم إلى الرياض لن تُقاس بمهمة نظيره في إنجلترا أو الولايات المتحدة، لأن طبيعة المشكلة أعقد وأعمق. في إنجلترا كانت المواهب موجودة في الأكاديميات والمشكلة في الفلسفة والتنظيم. في السعودية الإشكالية مزدوجة: غياب الفلسفة الموحدة، وغياب بيئة التنافس الكافية للمواهب المحلية داخل الدوري نفسه.
الطريق يستلزم معارك على ثلاث جبهات متزامنة: أولها الأندية، التي استثمرت مئات الملايين في نجوم أجانب وتحتاج إلى حجة اقتصادية لا وطنية فحسب لتخفيف الاعتماد عليهم.
وثانيتها الاتحاد نفسه، الذي تتصارع داخله رؤيتان: الأولى ترى الدوري مشروعا تجاريا عالميا يتطلب نجوما أجانب، والثانية ترى المنتخب كيانا وطنيا لا يتحمل التفريط. وثالثتها سيف الوقت إذ ينبّه تقرير فوتبول بنشمارك إلى أن السعودية قد تحتاج إلى اعتماد مقاربة مزدوجة: رؤية طويلة الأمد للبناء، مع إجراءات آنية عاجلة لتعزيز قوة وجودة المنتخب قبل 2034.
الفصل الأخير قبل المونديال: رحيل رينارد في قلب الأزمة
لا يخلو المشهد الكروي السعودي من التطورات والطوارئ، وقبل أن يجفّ حبر أي تقييم، جاء قرار جديد ليخلط الأوراق بأسرع من المتوقع: إقالة المدير الفني للمنتخب السعودي هيرفي رينارد قبل نحو شهرين فقط من انطلاق كأس العالم 2026.
رينارد الذي عاد لفترة ثانية في نهايات 2024 بعد مغامرة مانشيني، أوصل الأخضر إلى مونديال 2026، لكن سلسلة نتائجه الأخيرة المخيبة أبرزها الهزيمة 4-0 أمام مصر في مارس الماضي، وتراكم الضغط الجماهيري، دفعا الاتحاد إلى اتخاذ القرار.
قال رينارد لوكالة فرانس برس بمرارة: “هذه هي كرة القدم… السعودية تأهلت لكأس العالم سبع مرات، مرتين معي. ولا يوجد سوى مدرب واحد لديها قاد الفريق في التصفيات والمونديال معا: أنا في 2022”.
خلفا له، عيّن الاتحاد المدرب اليوناني جورجيوس دونيس في أول تجربة له مع المنتخبات، غير أن معرفته العميقة بالبيئة الكروية السعودية كانت الحجة القوية لتسليمه الملف الشائك في هذا التوقيت الحساس.
وبعيدا عن الجدال حول خبرات المدرب الجديد، وتوقيت القرار، هذه الإقالة توثّق نمطا سعوديا متكررا لا يزال يُقاوم التغيير: تعيين مدرب، إحباط من النتائج، إقالة، بحث عن بديل… ولا تتوقف!.
في النهاية، إعادة طلاء واجهة البيت القديم كل عام دون إصلاح الأساس لن تنفع طويلًا. الحل في البناء من القاعدة، حتى لا يدفع الأخضر الثمن مرتين: بتجاهل مانشيني أولًا، ثم بتكرار السيناريو نفسه مع رينارد.



