تحوّلت كواليس إعلان الألماني توماس توخيل عن قائمة منتخب إنجلترا المتوجهة إلى نهائيات كأس العالم 2026 إلى ما يشبه “حقل ألغام” فجّر غضب الشارع الرياضي والصحافة البريطانية؛ فقَبيل انطلاق المونديال بحوالي 20 يومًا، اختار الفيلسوف الألماني أن يرفع شعار “العناد والديكتاتورية التكتيكية”، مضحيًا بأسماء رنانة هزت أركان الكرة الإنجليزية.
عندما استبعد توخيل كول بالمر، نجم تشيلسي، والفائز بجائزة أفضل لاعب في مونديال الأندية الأخير بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم ألحق به ترنت ألكسندر أرنولد وفيل فودين، بدا وكأنه يعلن الحرب على “المنطق الشعبي” في كرة القدم، مبررًا ذلك بفلسفة صارمة تخلو من العاطفة.
حراسة المرمى.. جدل الهامش والـ 1%
في هذا الخط، كانت الاختيارات هي الأقل إثارة للجدل، حيث حسم جوردان بيكفورد مقعده الأساسي.
ومع ذلك، لم يسلم توخيل من الانتقاد؛ إذ تساءل الكثيرون عن سر استدعاء جيمس ترافورد، الذي يلازم مقاعد بدلاء مانشستر سيتي، في حين تم تجاهل نيك بوب الذي يذود ببسالة عن عرين نيوكاسل.
لكن في نهاية المطاف، يبقى هذا الجدل هامشيًا، فنحن نتحدث عن حارس ثالث لن تتجاوز فرص مشاركته 1%.
خط الدفاع.. التضحية بالعبقرية من أجل “الخرسانة”
قراءة عقل توخيل تشير إلى رغبته في بناء “جدار برلين” دفاعي يعتمد على ريس جيمس ونيكو أورايلي كظهيرين، ومارك جويهي وإزري كونسا في القلب.
في هذه الفلسفة، يفضل الألماني مدافعين كلاسيكيين لا يغامرون بالتقدم؛ ولهذا السبب أدار ظهره لأرنولد، أفضل ظهير يرسل التمريرات التقدمية والعمودية في العالم.
اللوم هنا يقع على توخيل؛ فوجود لاعب بنوعية وعبقرية أرنولد يعد سياج أمان ومصدرًا للحلول الاستثنائية، حتى وإن كان ورقة بديلة.
أما على الرواق الأيسر، فقد أثار تفضيله لـ “دجيد سبينس” كبديل علامات استفهام كبرى، متجاهلاً مواهب شابة وواعدة مثل لويس هال ولويس سكيلي.
وفي المقابل، بدا استبعاد هاري ماجواير منطقيًا في ظل تقارب مستويات قلوب الدفاع المتاحين، فلا يوجد مدافع يفرض نفسه بصورة كبيرة، ربما فقط جيهي بشكل طفيف.
معركة الوسط.. “قنبلة” بيلينجهام ورسالة بالمر
خط الوسط هو “مركز الزلزال” في خيارات توخيل.. لخص الألماني استبعاد كول بالمر بعبارة تكتيكية حاسمة: “بماذا يفيد لو استدعيت خمسة صانعي ألعاب ثم غيرت مراكزهم في الملعب؟”؛ فهو يرى أن تكديس المواهب (بيلينجهام، روجرز، جيبس وايت، إيزي) في عمق الملعب، أو نفي بالمر إلى الجناح بوجود ساكا، هو عبث تكتيكي.
ورغم أن بالمر يمر بفترة تراجع في المستوى تجعل استبعاده مبررًا بلغة الجاهزية، إلا أن اللوم يطال المدرب في ترك لاعب يملك “مفتاح الحلول الفردية” خارج الطائرة.
الخطة تقتضي اللعب بديكلان رايس وإليوت أندرسون كـ”ريجيستا” لامتصاص الضغط، لكن المفاجأة الكبرى التي قد تفجر المونديال هي ميل توخيل للاعتماد على مورجان روجرز أساسيًا، مما يعني إجلاس جود بيلينجهام على مقاعد البدلاء، وهي المخاطرة التي قد تتحول إلى قنبلة موقوتة.
كما يعاب على توخيل استدعاء جوردان هندرسون وكوبي ماينو كبدلاء، رغم أن آدم وارتون كان الخيار الأكثر مهارة وقدرة على توفير حلول حقيقية للخروج بالكرة.
الهجوم.. نسخة كربونية وظلم فودين
في الخط الأمامي، اعتمد توخيل على الواقعية المفرطة بثلاثية بوكايو ساكا، أنتوني جوردون، وهاري كين.
لكن الغرابة تكمن في استدعاء البدلاء؛ حيث فضّل استنساخ الجبهة اليمنى لآرسنال بضم نوني مادويكي كبديل لساكا، مما أغلق الباب تمامًا أمام فيل فودين وجارود بوين، في خطوة تبدو غير مفهومة في توازنات المجموعات الهجومية.
مرشح واقعي لا غبار عليه
في النهاية، يثبت توماس توخيل أنه مدرب لا يعيش في “برج عاجي”، بل يتحلى بواقعية شديدة قد تصل إلى حد القسوة.
لقد فضّل الألماني أن يصنع الجدل والصخب قبل المونديال باستبعاد النجوم، بدلاً من استدعائهم وإجلاسهم على دكة البدلاء، مما كان سيفجر غرفة الملابس أثناء المونديال.
ورغم المخاطر الكبيرة المحيطة بوضعية بيلينجهام، إلا أن هذه التشكيلة المصمتة والمصممة بعناية وفقاً لأفكار توخيل، تجعل من المنتخب الإنجليزي، حتى بدون نجومه المستبعدين، أحد أبرز المرشحين لرفع كأس العالم في نهاية المطاف.



