لم تكن خسارة المنتخب السعودي أمام إسبانيا مجرد تعثر طبيعي أمام أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم 2026، بل كانت مباراة كشفت الكثير من المشكلات الفنية والتكتيكية التي عانى منها “الأخضر” طوال 90 دقيقة.
منذ صافرة البداية بدا واضحًا أن المنتخب الإسباني حضر بخطة هجومية شرسة ورغبة واضحة في حسم المباراة مبكرًا، بينما ظهر “الأخضر” بعيدًا تمامًا عن الصورة التي قدمها أمام أوروجواي في الجولة الأولى، سواء على مستوى التنظيم الدفاعي أو القدرة على الاحتفاظ بالكرة أو حتى تنفيذ التحولات الهجومية.
دونيس خسر المعركة قبل بدايتها
المدرب اليوناني جورجيوس دونيس فاجأ الجميع بالاعتماد على منظومة دفاعية تضم خمسة مدافعين، في محاولة لإغلاق المساحات أمام القوة الهجومية الإسبانية، خاصة في ظل وجود لامين يامال وميكيل أويارزابال على الأطراف.
لكن ما حدث داخل الملعب كان مختلفًا تمامًا، إذ لم تمنح الخطة أي صلابة دفاعية إضافية، بل على العكس تمامًا، ظهرت مساحات كبيرة بين المدافعين وخلفهم، كما عانى لاعبو الوسط من ضعف واضح في التغطية، ما جعل المنتخب الإسباني يجد حلولًا سهلة ومتنوعة للوصول إلى مرمى محمد العويس.
الأخطر من ذلك أن السعودية فقدت هويتها الهجومية بالكامل، فلم تستطع الخروج بالكرة أو تنفيذ المرتدات التي كانت أحد أبرز أسلحتها أمام أوروجواي، لتتحول المباراة إلى هجوم إسباني متواصل ودفاع سعودي تحت الضغط.
لامين يامال.. كابوس الجبهة السعودية
رغم كل الحديث الذي سبق المباراة عن ضرورة إيقاف لامين يامال وتقليل المساحات أمامه، فإن الواقع كان مختلفًا تمامًا.
النجم الإسباني نجح في استغلال المساحات منذ الدقائق الأولى، وافتتح التسجيل بعد سوء رقابة واضح داخل منطقة الجزاء، عندما وصلت إليه كرة عرضية دون أي ضغط حقيقي من المدافعين السعوديين.
هدف يامال لم يكن مجرد لقطة فردية، بل كان انعكاسًا مباشرًا لحالة الارتباك التي سيطرت على الخط الخلفي، وعدم وضوح الأدوار الدفاعية بين لاعبي الأطراف وقلبي الدفاع.
ومع مرور الوقت استمرت خطورة يامال، سواء بتحركاته في العمق أو على الأطراف، ليصبح نقطة الانطلاق الرئيسية للهجمات الإسبانية.
ثلاث دقائق كشفت كل شيء
إذا كان الهدف الأول نتيجة خطأ رقابي، فإن الدقائق التي سجل خلالها ميكيل أويارزابال هدفيه كانت كافية لشرح جميع مشاكل المنتخب السعودي.
ففي غضون ثلاث دقائق فقط، نجحت إسبانيا في ضرب العمق الدفاعي أكثر من مرة، مستفيدة من التباعد الكبير بين الخطوط وسوء التمركز داخل منطقة الجزاء.
المدافعون كانوا يتراجعون باستمرار، ولاعبو الوسط فشلوا في تقديم المساندة المطلوبة، لتتحول المنطقة أمام المرمى السعودي إلى مساحة مفتوحة أمام لاعبي الماتادور.
وكانت النتيجة استقبال هدفين متتاليين أنهيا المباراة عمليًا قبل مرور نصف ساعة فقط.
تدمير بلا رحمة
الأرقام عكست حجم السيطرة الإسبانية طوال المباراة، فإسبانيا فرضت استحواذًا وصل إلى 65% مقابل 35% فقط للمنتخب السعودي، كما تفوقت بشكل كاسح في عدد التسديدات وصناعة الفرص والالتحامات الأرضية والهوائية.
الأخضر لم يخسر الكرة فقط، بل خسر معها القدرة على تنظيم صفوفه أو التقاط أنفاسه، لأن المنتخب الإسباني كان يستعيد الاستحواذ خلال ثوانٍ قليلة من فقدانه.
هذا الضغط المتواصل جعل السعودية تقضي أغلب فترات المباراة داخل نصف ملعبها، وهو ما استنزف اللاعبين بدنيًا وذهنيًا.
ووصل مجموع تسديدات إسبانيا إلى 20 تسديدة مقابل 3 فقط للمنتخب السعودي، وهو ما كشف حجم المعاناة.
هدف عكسي يلخص ليلة الدفاع السعودي
مع بداية الشوط الثاني تلقى المنتخب السعودي ضربة جديدة بعدما سجل حسان تمبكتي هدفًا عكسيًا في مرماه.
ورغم أن الهدف جاء بالنيران الصديقة، فإن اللقطة نفسها كشفت استمرار المشاكل الدفاعية نفسها، حيث تُرك مارك كوكوريا دون رقابة أثناء تنفيذ الركلة الركنية، ليقابل الكرة بحرية كاملة قبل أن ترتد من العويس ثم تمبكتي إلى داخل الشباك.
وكان هذا الهدف بمثابة تلخيص مثالي لما حدث طوال المباراة؛ سوء تمركز، غياب للرقابة، وأخطاء متكررة في التعامل مع الكرات العرضية والثابتة.
درس قاسٍ قبل الجولة الحاسمة
الخسارة أمام منتخب بحجم إسبانيا ليست كارثة بحد ذاتها، لكن الطريقة التي حدثت بها تثير العديد من علامات الاستفهام.
فالمنتخب السعودي لم يخسر بسبب الفوارق الفردية فقط، بل بسبب تفوق إسباني واضح على المستوى التكتيكي والتنظيمي والبدني.
وأمام الجهاز الفني بقيادة دونيس الكثير من العمل قبل المواجهة المقبلة ضد الرأس سالأخير، خاصة فيما يتعلق بتنظيم الخطوط وتقليل المساحات وتحسين عملية الخروج بالكرة تحت الضغط.
فإذا كان التعادل مع أوروجواي منح الجماهير السعودية حلم التأهل، فإن مواجهة إسبانيا كانت تذكيرًا قاسيًا بحجم العمل المطلوب لمنافسة كبار العالم، وبأن التنظيم والانضباط التكتيكي يظلان مفتاح النجاح في مثل هذه البطولات الكبرى.



