الرياضة نت/ عادل حويس
في ليلة تاريخية حبست فيها أنفاس الملايين من المحيط إلى الخليج ودع المنتخب المصري منافسات كأس العالم 2026 برأس مرفوعة وجبين لم يعرف الانحناء إثر خسارة درامية مثيرة أمام نظيره الأرجنتيني بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدفين في اللقاء الذي جمعهما مساء الثلاثاء ضمن منافسات دور الـ16 من المونديال.
ولم تكن هذه المواجهة مجرد مباراة كرة قدم عادية في الأدوار الإقصائية بل تحولت إلى ملحمة كروية سيكتبها التاريخ بأحرف من ذهب بعدما سطر الفراعنة أداء أسطورياً أحرجوا به أبطال العالم وأجبروهم على القتال حتى الثواني الأخيرة للاحتفاظ ببطاقة التأهل إلى ربع النهائي في ليلة شهدت احتفالات أرجنتينية جنونية تعكس حجم الرعب والضغط الذي عاشه رفاق ليونيل ميسي أمام الإعصار المصري الشجاع.
ودخل المنتخب المصري المباراة تحت قيادة فنية وطنية شجاعة للمدرب حسام حسن الذي نجح في فرض أسلوب تكتيكي صارم فاجأ به العملاق الأمريكي الجنوبي حيث كان التركيز منصباً منذ الدقائق الأولى على غلق المساحات وعدم تلقي هدف مبكر. وعلى مدار تسعين دقيقة ظهر الفراعنة بشخصية البطل إذ أغلقوا كل المنافذ المؤدية إلى مرماهم وفرضوا طوقاً دفاعياً محكماً شل حركة الأسطورة ليونيل ميسي الذي بدا في فترات كثيرة من اللقاء معزولاً عن خطوط إمداده بفضل الفدائية والروح القتالية العالية للاعبي خط الدفاع والوسط بالتزامن مع الاعتماد الهجومي على تحركات الجناح الطائر هيثم حسن السريعة في الجبهة اليمنى والكرات العرضية الطولية.
هذه الاستراتيجية الوطنية أثمرت سريعاً عندما ارتقى المدافع ياسر إبراهيم في الهواء عند الدقيقة الـ15 ليحول كرة عرضية برأسية متقنة إلى شباك الأرجنتين معلناً تقدم الفراعنة. ولم تخل هذه الملحمة من تفاصيل استثنائية ستبقى محفورة في ذاكرة الجماهير وكان بطلها الحارس الشاب مصطفى شوبير الذي قدم مباراة العمر وتوج تألقه بتصد تاريخي لركلة جزاء نفذها ليونيل ميسي بعدما انبرى لها في الهواء بطريقة رائعة أبقت التقدم مصرياً ليواصل بعدها بطل مونديال قطر ضغطه الكبير وينتهي الشوط الأول بتقدم مصر بهدف نظيف رغم وصول نسبة استحواذ الأرجنتين إلى 59%.
ومع انطلاق الشوط الثاني استمر الضغط الأرجنتيني لكن كتيبة حسام حسن تعاملت مع المد الهجومي بذكاء كبير حيث قاد هيثم حسن هجمة مرتدة سريعة مرر على إثرها كرة على طبق من ذهب إلى مصطفى زيكو الذي أودعها الشباك إلا أن تقنية الفيديو المساعد “فار” تدخلت لتلغي الهدف بداعي خطأ مسبق من مروان عطية. ولم يتأثر نجوم مصر بهذا الإلغاء ليعود هيثم حسن ويقدم فاصلاً مهارياً رائعاً تلاعب فيه بالدفاع الأرجنتيني مهدياً كرة ذهبية أخرى لمصطفى زيكو الذي أطلقها قوية في الشباك عند الدقيقة الـ67 معلناً الهدف الثاني الشرعي لمنتخب مصر وسط ذهول الجميع.
ورغم التقدم المصري بهدفين إلا أن رفاق ليونيل ميسي رفضوا الاستسلام واستغلوا الإرهاق البدني وخروج الجناح الطائر هيثم حسن الذي أثر نسبياً على الحسابات الهجومية والدفاعية حيث نجح كريستيان روميرو في تقليص الفارق برأسية متقنة في الدقيقة الـ79 ومع غياب الرقابة الدفاعية الصارمة للحظات في الدقيقة الـ83 استغل ميسي كرة داخل منطقة الجزاء وأرسل قذيفة سكنت شباك شوبير معيداً المباراة إلى نقطة التعادل وفي الوقت بدل الضائع وبينما اندفع الفراعنة شجعاناً نحو الهجوم بحثاً عن هدف الفوز استغل بطل العالم ضعف التغطية الدفاعية العكسية لينجح إنزو فرنانديز في خطف هدف الانتصار الثالث الذي منح بلاده بطاقة العبور الشاقة.
وشابت هذه الإثارة الفنية قرارات تحكيمية أثارت موجة عارمة من الاستياء والجدل الإعلامي بعدما تغاضى الطاقم التحكيمي وغرفة “الفار” عن احتساب ضربة جزاء شرعية لصالح الفراعنة كانت كفيلة بتغيير مجرى اللقاء بالكامل ومع إطلاق صافرة النهاية سادت حالة من الفخر الممزوج بدموع الحزن في الشارع الرياضي العربي فالخروج لم يكن انكساراً بل وداعاً أسطورياً أكد أن الفجوة الفنية بين المنتخبات الكبرى وممثلي الكرة العربية والإفريقية قد تلاشت تماماً خلف أسوار العزيمة والإصرار.
وبهذا التمثيل المشرف تطوى صفحة مضيئة ويسدل الستار على مشاركة جيل تاريخي يقوده النجم العالمي محمد صلاح تاركين خلفهم إرثاً كبيراً يؤكد أن القتال حتى الثواني الأخيرة هو الهوية الحقيقية لرجال مصر،د وأن الفراعنة وإن غادروا المونديال من الباب الكبير، فإنهم عائدون حتماً وبثوب الأبطال.



