كشف تألق أردا جولر في صناعة الهجمات مع ريال مدريد عن تعدد أدواره الهجومية، في ظل بحث جوزيه مورينيو عن المركز الأنسب للاعب التركي، الذي أظهر قدرة لافتة على التحكم في إيقاع اللعب وصناعة الفرص والتمرير تحت الضغط.
ووفقا لصحيفة “ذا أتلتيك” البريطانية، لا يبدو أن جولر هو نوعية لاعب الوسط القوي الذي اعتاد ريال مدريد الاعتماد عليه للحفاظ على توازن فريق يميل إلى الهجوم، لكنه يقدم عناصر لا تقل أهمية إلى تشكيلة مورينيو الجديدة، وهي التحكم والهدوء والوضوح في اتخاذ القرارات.
إعجاب مورينيو
قال مورينيو عن جولر قبل فوز فريقه 3-2 على إلتشي، الثلاثاء الماضي: “جودة لعبه مذهلة. رؤيته، واتخاذه للقرارات، وصناعته للعب، والاستقرار الذي يمنحه للفريق”.
وأضاف: “ربما لا أريد أن أذهب إلى حد القول إنه من الفئة العليا جدا، لكن يمكنني بالتأكيد القول إنه من الفئة العليا”.
ولا يزال جولر يبحث عن مركزه الأفضل، بعدما لعب في دور أعمق بخط الوسط، وعلى الجناح الأيمن، وأخيرا في مركز صانع الألعاب خلال مواجهة إلتشي. لكن على عكس المواسم السابقة، التي كان يُطلب فيها من لاعبي وسط ريال مدريد تغطية مساحات واسعة ضمن طريقة 4-4-2 المسطحة، أصبح هناك مكان أكثر طبيعية في التشكيلة الأساسية للاعب يمتلك القدرات الفنية التي يتمتع بها جولر.
ودافع ريال مدريد تحت قيادة مورينيو حتى الآن من مناطق أعلى وبشكل أضيق، مع تقليص المساحات بين الخطوط والمسافات بين اللاعبين في الحالة الدفاعية.
وأصبح الفريق أكثر ارتياحا من دون الكرة، بعدما بلغ متوسط استحواذه 54.5% فقط خلال مبارياته الست في الليجا، ولم يعد يعتمد دائما على القدرات البدنية الكبيرة لجود بيلينجهام وفيديريكو فالفيردي لتأمين الفريق أثناء فقدان الكرة.
ويعني ذلك أن جولر لم يعد مكشوفا بالقدر نفسه عندما تكون الكرة بحوزة المنافس، ما يسمح لقدراته على إرسال التمريرات الأمامية الحاسمة بالظهور بمجرد استعادة فريقه للكرة.
مهارات متنوعة
لم يسدد أي فريق في الليجا عددا أكبر من التسديدات عقب الهجمات المرتدة السريعة مقارنة بريال مدريد تحت قيادة مورينيو هذا الموسم، وغالبا ما يكون جولر هو اللاعب الأكثر قدرة على تجاوز الخط الأول من ضغط المنافس وبدء الهجمة السريعة.
وفي مواجهة ريال بيتيس، على سبيل المثال، وبعد اعتراض كرة عرضية من المنافس، نقل ريال مدريد الكرة سريعا إلى جولر، الذي مررها بلمسة ذكية من خلفه إلى بيلينجهام، ليُخرج ثلاثة لاعبين من خط الوسط من اللعبة بلمسة واحدة متقنة.
ويجعل احتفاظ اللاعب البالغ 21 عاما بالكرة وقدرته على رؤية التمريرات التي تشق دفاع المنافس منه خيارا مهما في المراكز العميقة، خاصة عندما تتوافر المساحات للانطلاق إليها.
ولا تقتصر مساهمة جولر على التحولات الدفاعية، إذ يستطيع أيضا تسريع هجمات ريال مدريد من خلال لحظات من الجودة تساعد الفريق على تجاوز ضغط المنافس.
وفي وقت مبكر من مواجهة بيتيس، التي خسرها ريال مدريد 1-0، تحرك جولر إلى الداخل لعرض نفسه لاستلام تمريرة بينما كان فريقه يحاول البناء تحت ضغط مرتفع.
وأرسل أنطونيو روديجر تمريرة مرتدة إلى جولر، لكن لاعب الوسط التركي سيطر على الكرة سريعا داخل مساحة بينية، ثم مررها إلى الجناح ليفتح الطريق أمام دينزل دومفريس للانطلاق.
وفي مواجهة إلتشي، الذي دافع أيضا بشكل استباقي نسبيا من خلال كتلة متوسطة، تراجع جولر في البداية إلى الخلف للمساعدة في بناء الهجمة، قبل أن يلاحظ الفرصة للتحرك بين الخطوط واستقبال تمريرة أمامية.
وتأنى جولر قليلا بعد استلام الكرة، مفضلا عدم المخاطرة بالتمرير الأصعب إلى فينيسيوس جونيور، قبل أن يرسل الكرة إلى الجناح ليمهد الطريق أمام مارك كوكوريلا لإرسال عرضية من اللمسة الأولى. ومع امتلاكه حرية التحرك من مركز صانع الألعاب، أصبح جولر قادرا على التحكم في إيقاع اللعب ومهاجمة المساحات الخطرة في مناطق أكثر تقدما من الملعب.
منظومة مورينيو
أصبح ريال مدريد أكثر تنظيماً تحت قيادة مورينيو أثناء التدرج بالكرة عبر الثلثين الأخيرين. ففي السابق، وخاصة تحت قيادة أنشيلوتي، كان اللاعبون يتجمعون غالباً في الجناح الأيسر للربط بتمريرات قصيرة، لكنهم يميلون للعب بأسلوب أكثر اتساعاً هذا الموسم، مما يفتح المساحات أمام جولر لتمرير تلك الكرات الخارقة.
لكن تحركات اللاعبين المحيطين بجولر مهمة أيضا لتوسيع دفاع المنافس؛ فعندما يتراجع فينيسيوس جونيور لاستلام الكرة، يسارع بيلينجهام إلى شغل المساحة في الجهة اليسرى. وفي الجهة اليمنى، يتقدم دومفريس لإبقاء الظهير في مكانه، بينما يسارع مبابي إلى مهاجمة المساحة خلف خط الدفاع.
وتمنح هذه التحركات المنسقة، مع قيام اللاعبين بانطلاقات خطرة عبر عرض الملعب، جولر العديد من الخيارات عندما يتقدم ريال مدريد بسرعة إلى الأمام.
وتسمح دقة تمريرات جولر له بصناعة الفرص باستمرار عندما تصبح المباراة مفتوحة، وهو ما يساعد في تفسير بدايته المميزة للموسم.
ورغم محدودية دقائق مشاركته، إذ بدأ أساسيا في أربع من أول ست مباريات لريال مدريد في الدوري، لم يصنع أي لاعب في الليجا فرصا أكثر من الـ27 التي صنعها، بينما يتفوق عليه ثلاثة لاعبين فقط في عدد التمريرات البينية المكتملة.
ويُظهر الرسم البياني أدناه جميع تمريرات جولر إلى مبابي وفينيسيوس جونيور هذا الموسم. وكما يتضح، فإن العديد منها كانت تمريرات إيجابية إلى الأمام، أسهمت بالفعل في وضع كلا اللاعبين داخل منطقة الجزاء في خمس مناسبات لكل منهما.
التخلص من التكتلات
بالإضافة إلى جودته في التحولات الهجومية، تمكن جولر من مساعدة ريال مدريد على اختراق التكتلات الدفاعية المتأخرة بفضل صبره في الاستحواذ وقدرته على إرسال الكرات من الأطراف.
ويثير حماس جولر لطلب الكرة في جميع مراحل اللعب الإعجاب، كما يتضح من مثال آخر أمام إلتشي، الذي تراجع إلى الخلف بعد فترة طويلة من الاستحواذ.
وتحرك جولر إلى مساحة خالية ورفع يده طالبا تمرير الكرة إليه. وهو يشعر بالراحة في المناطق العميقة ولا يحاول إجبار اللعب على الفور، إذ تبادل الكرة مع مبابي قبل أن يضع قدمه عليها ويقيّم خياراته.
ورغم تراجع إلتشي إلى الخلف، تمركز ريال مدريد بشكل جيد عبر عرض الملعب لإجبار الدفاع على التمدد، ليجد جولر المساحة ويمرر كرة بزاوية مثالية وبقوة مناسبة في طريق كوكوريلا.
ما هو المكان الأنسب لجولر؟
ولم ينجح أي لاعب في إرسال عدد أكبر من عرضياته الـ14 في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى، كما صنع بالفعل 6 فرص من الركلات الركنية، بعدما وجد دين هويسين بثلاث كرات عرضية ملتفة إلى الخارج.
ويجعل تنوع جولر في صناعة الفرص منه عنصرا لا غنى عنه لريال مدريد، إذ يستطيع التعامل مع مختلف السيناريوهات الهجومية. ويبقى السؤال أمام مورينيو هو المكان الأنسب للاعب داخل الفريق.
وصنع جولر خمس فرص خلال 18 دقيقة فقط أمام رايو، بعدما شارك بدلا من يان ديوماندي في الجهة اليمنى. وبينما كان فعالا للغاية على الطرف، فإن قدرته على التحكم في الإيقاع من مركز صانع ألعاب حر أمام إلتشي ساعدت ريال مدريد على السيطرة على المباراة، لكن وجوده في التشكيلة جاء على حساب بيلينجهام.
وكان ريال مدريد في حاجة إلى لاعب يمتلك جودة توني كروس أو لوكا مودريتش عندما يتعلق الأمر بتنظيم اللعب الهجومي من خلال التوزيع والهدوء عند الاستحواذ على الكرة.
ولا يزال جولر صغيرا جدا في السن، لكن المؤشرات المبكرة هذا الموسم تشير إلى قدرته على تحقيق خطوات مهمة خلال الموسم الحالي، تمهيدا لتعويض هذا الفراغ في نهاية المطاف.



