كرة القدم، اسم اللعبة التي يعشقها الملايين، وإن شئت فقل المليارات حول العالم، ولكنها بالنسبة للكثير من اللاعبين ليست إلا وسيلة لتحقيق أهداف أكبر، بعضها يتعلق باللعبة ذاتها، وبعضها ما هو أبعد من ذلك.
ويبدو أن النجم المصري محمد صلاح كان من النوع الثاني، وهو يقطع رحلة جديدة وربما أخيرة في مسيرته الاحترافية، بالانتقال إلى الدوري التركي، وتحديدًا إلى طرابزون سبور، في صفقة أثارت حالة كبيرة من الجدل.
مخالفة ثانية.. هل يندم صلاح مجددًا؟
منذ إعلان نادي طرابزون سبور تعاقده مع محمد صلاح، خرج العديد من محبي النجم المصري ليلوموه على تلك الخطوة، بداعي أن الدوري التركي أقل من إمكانياته واسمه وتاريخه.
هذه المعارضة القوية للانتقال لم يعش صلاح مثلها سوى مرة وحيدة، قبل 12 عامًا، والغريب أنها كانت لعكس الأسباب الحالية، وذلك في يناير/كانون الثاني 2014، عندما انتقل من بازل السويسري إلى تشيلسي.
في ذلك الحين، كان النجم المصري على أعتاب الانتقال إلى ليفربول، غير أن تشيلسي ومدربه البرتغالي في ذلك الحين جوزيه مورينيو تدخل في اللحظة الأخيرة، ونجح في الحصول على الصفقة.
انتقال صلاح إلى تشيلسي لم يعجب الكثير من محبيه، لا سيما وأن النادي اللندني كان مكتظًا بالنجوم، ما صعب من مهمة النجم المصري الذي كان لا يزال في مقتبل مسيرته الكروية.
على العكس، كان ليفربول في حاجة أكبر إلى “مو”، في ظل منافسته الشرسة مع تشيلسي ومانشستر سيتي على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز في ذلك الموسم، وحاجته للاعب هجومي بجوار لويس سواريز ودانييل ستوريدج.
في النهاية، اختار محمد صلاح أن يستجيب لنداء القلب، وأن يلبي دعوة مورينيو الذي تواصل معه بشكل شخصي لإقناعه، ولكنه بلا شك ندم على هذا القرار، حيث لم يحصل على فرصة حقيقية مع تشيلسي.
الغريب أن صلاح انتظر 3 سنوات ونصف حتى يصحح هذا الخطأ، حيث ضمه ليفربول في صيف 2017، بعد رحلتين مع فيورنتينا وروما، لكنه انضم بعمر 25 عامًا، بدلًا من 21، ما قلل من عمر مسيرته مع “الريدز”.
هل تخلى صلاح عن كرة القدم؟
الآن خالف صلاح آراء جماهيره للمرة الثانية، واختار الانتقال إلى طرابزون سبور، ولكنه بنسبة كبيرة لن يندم على هذا القرار، لأنه، في الأغلب، يبحث عن أهداف بعيدة عن تلك التي ينتقده محبوه بسببها، وبعيدة أيضًا عن كرة القدم.
الهدف بدأ في الوضوح منذ عام كامل تقريبًا، بعد أيام قليلة من تجديد تعاقده مع ليفربول حتى 2027، حين قرر النجم المصري شراء فيلا فاخرة في مدينة بودروم التركية، مقابل 10 ملايين دولار، أو ما يعادل نصف مليار جنيه مصري.
واتخذ صلاح تلك الخطوة، ليس فقط بعد التجديد مع ليفربول، ولكن أيضًا بعد أن قضى عطلته الصيفية في ذلك الحين في المدينة الساحلية التركية ذاتها.
وبدا من الواضح أن النجم المصري يفكر في الإقامة لبعض الوقت، وربما لوقت طويل، في تركيا، وربما يكون ذلك بعد نهاية مسيرته الكروية، ولكن لم لا يكون ذلك خلال تلك المسيرة ذاتها؟
حياة هادئة وتجارة جديدة
منذ بداية الميركاتو الصيفي الحالي، وبعد نهاية رحلة “مو” مع ليفربول، بدا واضحًا أن وكيله؛ رامي عباس، يبحث له عن عرض مناسب في الدوري التركي تحديدًا، رغم تلقي بعض العروض من السعودية وأمريكا.
كان ذلك يؤكد أن صلاح لم يفكر في الانتقال إلى طرابزون سبور، أو بشكتاش من قبله، من أجل كرة القدم، ولكن من أجل الاستمتاع بحياته الشخصية، في مدينة أسرت قلبه، وربما يتخطى الأمر ذلك لاستثمارات تجارية.
صحيفة “الصباح” التركية أكدت، في ذلك الحين، أن رجل الأعمال التركي أحمد كاراكول، وهو الشريك التجاري لمحمد صلاح في إنجلترا، هو من كان وراء زيارته إلى مدينة بودروم، في صيف العام الماضي.
وحرص كاراكول على استقبال النجم المصري في تلك الزيارة، في ظل امتلاكه العديد من الشركات والاستثمارات المتعلقة بالسياحة في تركيا.
ولا شك أن تلك العلاقة التجارية، وما نتج عنها من شراء الفيلا الفاخرة في بودروم، قد تكون أثرت على قرار محمد صلاح، وجعلت الدوري التركي وجهته، للانخراط في أعمال تجارية جديدة.
بالإضافة إلى ذلك، حصل صلاح على ميزات كبيرة بالتعاقد مع طرابزون سبور، حيث سيتقاضى راتبًا سنويًا تبلغ قيمته 17 مليون يورو، بالإضافة إلى 5 ملايين أخرى كحوافز ومتغيرات، و20% من عوائد بيع المنتجات التي تحمل اسمه.
رونالدو وميسي نموذجًا
محمد صلاح ليس اللاعب الأول الذي يضع الأهداف غير الرياضية في مقدمة اعتباراته، حيث سبقه إلى ذلك العديد من نجوم كرة القدم حول العالم، وفي مقدمتهم البرتغالي كريستيانو رونالدو والأرجنتيني ليونيل ميسي.
في شتاء 2023، فجر رونالدو مفاجأة من الأكبر في تاريخ كرة القدم، حين قرر الانتقال إلى الدوري السعودي، وتحديدًا إلى النصر، بعد رحلة طويلة في أكبر الأندية الأوروبية على غرار مانشستر يونايتد وريال مدريد ويوفنتوس.
تحرك رونالدو لم يأتِ فقط لإيمانه بالمشروع السعودي، ولكن أيضًا للامتيازات الباهظة التي حظي بها، خاصةً الراتب الخرافي الذي وصل إلى 200 مليون يورو سنويًا بحسب تقارير صحفية.
وبعد تجديد عقده في 2025، حصل “الدون” على المزيد من المزايا، مثل الحصول على 15% من أسهم نادي النصر، بالإضافة إلى توفير طائرة خاصة، وفريق كامل لخدمته يتكون من 16 فردًا.
ميسي أيضًا فعل الأمر نفسه عند الانتقال إلى إنتر ميامي في صيف 2023، حيث أراد البقاء في مدينة سياحية عالمية، كما اتفق على الحصول على راتب يتراوح من 50 إلى 80 مليون دولار سنويًا.
بالإضافة إلى ذلك، اتفق النجم الأرجنتيني على الحصول على نسبة من ملكية النادي الأمريكي عند الاعتزال، ونسبة من أرباح مبيعات القمصان، وكذلك من عائدات الاشتراكات الجديدة في خدمة البث المخصصة لمباريات الدوري الأمريكي.
لماذا ليست السعودية؟
ربما يكشف ذلك جزءًا من أسباب رفض محمد صلاح الانتقال إلى الدوري السعودي، رغم تلقيه عرضًا ضخمًا للانتقال إلى الاتحاد، مقابل 25 مليون يورو سنويًا، بزيادة 8 ملايين عن راتبه مع طرابزون سبور.
رغم أن مدينة جدة ساحلية، فإن المملكة العربية السعودية تتميز بحرارتها المرتفعة في معظم أوقات العام، وهو ما اشتكى منه العديد من نجوم كرة القدم العالميين الذين انضموا للدوري السعودي مؤخرًا.
بالإضافة إلى ذلك، فإنه حتى في حال الحصول على 25 مليون يورو في أول موسم، فإن النجم المصري لن يضمن الحصول على هذا الراتب في الموسم الثاني، في ظل الضغط الجماهيري الكبير في السعودية.
ويتضح ذلك من رحيل المدرب الفرنسي لوران بلان عن الاتحاد، بعد 4 جولات فقط من بداية الموسم الماضي من الدوري السعودي، رغم أنه كان بطلًا للدوري والكأس في الموسم السابق.
كما ارتبط بعض النجوم بالرحيل عن الدوري السعودي في أكثر من مناسبة، في ظل الانتقادات التي يتعرضون لها بشكل مستمر، حتى رونالدو نفسه، وكذلك المهاجم الفرنسي كريم بنزيما.
صلاح سيكون مُحملًا بضغط أكبر، لا سيما وأنه سيكون النجم الأول، والاتحاد لا يمر بأفضل فتراته، ويعاني بشدة على المستويين الفني والإداري، وهو ما يجعل مسألة نجاحه وتألقه معه محفوفة بالمخاطر.
ما يزيد الضغط، أن النجم المصري تعرض لانتقادات سعودية قبل حتى أن ينضم، سواءً من الأمريكي بن هاربورج، مالك نادي الخلود، الذي اعتبر أن الدوري السعودي ليس مكانًا لقضاء عطلة الاعتزال.
كذلك الإعلامي السعودي وليد الفراج طالب صلاح بعدم الانضمام إلى دوري روشن، واعتبر أنه ليس المكان المناسب له في الوقت الحالي، فيما وصفه الإعلامي السعودي الآخر سعود الصرامي بالمنتهي.
على العكس، فقد حظي صلاح باستقبال تاريخي فور وصوله إلى تركيا، واستقبله الآلاف في المطار، وأخذوا يهتفون باسمه، وسط اهتمام رسمي بإتمام الصفقة، حتى عند تعثر انتقاله إلى بشكتاش.
بالإضافة إلى ذلك، فإن طموحات طرابزون سبور ليست كالاتحاد، فالنادي التركي لا يبحث عن الألقاب، بقدر بحثه عن المشاركات الأوروبية، في ظل سيطرة جالطة سراي وفنربخشه على القمة.
كل هذا سيمنح النجم المصري مزيدًا من الهدوء، والأمان لاستكمال تعاقده مع النادي التركي، بعكس الدوري السعودي الذي كان من الممكن أن يرحل عنه بعد موسم وحيد من ضمه، إذا لم يقدم المأمول.
صلاح.. رونالدو جديد؟
غير أن صلاح قد يجد نفسه أمام نموذج لم يكن يتخيله، وهو أن يكون بمثابة رونالدو الجديد في الدوري التركي، وأن يكرر ما فعله النجم البرتغالي عند الانتقال إلى النصر في شتاء 2023.
الاستقبال التاريخي الذي حظي به النجم المصري، لم يسبق أن حظي به أي نجم آخر، رغم أن الدوري التركي كان يضم العديد من النجوم العالميين على مدار السنوات القليلة الماضية.
وقد تكون هذه هي نقطة الانطلاق التي ينطلق منها الدوري التركي، نحو المزيد من التعاقدات مع نجوم كرة القدم من أصحاب المستوى الأول، لمناطحة كبار الدوريات الأوروبية.
هذه النقطة إن حدثت، ستبقى علامة مضيئة في مسيرة صلاح الرياضية، حتى بعد اعتزاله، حيث سيبقى تاريخيًا معروفًا بكونه عراب الدوري التركي في عهده الجديد.



