لم تكن الصدمة في شباك اهتزت مبكرا ولا في نتيجة رقمية ثقيلة تكررت مرارا بل في ذلك المشهد العاري الذي تجلت فيه كرتنا اليمنية على حقيقتها بلا مساحيق تجميل ولا بيانات تضليل مشهد يلخص مأساة إدارة تدمن الارتجال وتقتات على بيع الأوهام لجماهير لم تعد تجد في مدرجات المنفى سوى خيبات تتجدد. السقوط المدوي أمام المنتخب الإماراتي لم يكن مجرد كبوة عابرة في مستهل مشوار بطولة بقدر ما كان فضحا صريحا لعشوائية مزمنة يقودها اتحاد كرة القدم حيث تدار الاستحقاقات الإقليمية الكبرى بعقلية الفزعة والمصادفة وتختزل تحضيرات بلد بأكمله في تجميع متعجل للاعبين استحضروا من شتات الدوريات وأسواق الاحتراف في الساعات الأخيرة ليخوضوا مواجهة مصيرية وكأنهم يتعارفون في الميدان لأول مرة.
على المستطيل الأخضر غابت الهوية والروح والتنظيم وبدا الفريق كأنه جسد مفكك الأوصال تائه بلا بوصلة خطوط متباعدة تمركز دفاعي كارثي وعجز فاضح عن بناء جملة تكتيكية واحدة أو حتى إتقان أبجديات الاستلام والتسليم.
وسط هذه الفوضى العارمة تحولت الخطوط الخلفية إلى ممرات سالكة لهجوم منافس منظم لم يجد أدنى صعوبة في فرض سيطرته المطلقة بينما اكتفى ممثلنا بكرات طولية عشوائية لا تصنع خطرا ولا تحفظ ماء وجه.
غير أن تحميل اللاعبين وحدهم وزر هذه الفضيحة الكروية هو تسطيح ساذج لأزمة متجذرة فالأقدام المرتجفة في الميدان ليست إلا انعكاسا طبيعيا لرؤوس تدير اللعبة ببلادة غير مسبوقة وتعتبر الفوز الوهمي في “تقسيمة” ودية من أربعة أشواط إنجازا يستحق التسويق الإعلامي لتصطدم الجماهير لاحقا بالحقيقة المرة من مصادر خارجية تكشف زيف الخطاب الرسمي للاتحاد.
إن منظومة تجيد حجب التأشيرات وملاحقة الأقلام الحرة وإقصاء التغطية المهنية بينما يمارس مسؤولوها أدوار الاستعراض والتقاط الصور التذكارية في الوفود الرسمية هي منظومة عاجزة بطبيعتها عن صناعة منتخب يحترم شعبه.
كيف ينتظر الشارع الرياضي مقارعة منتخبات ترتكز على دوريات محترفة وتخطيط علمي طويل الأمد ولاعبنا المحلي يعيش شللا كرويا مستمرا وفقرا في الاحتكاك والمحترف يصل فندقه ليلة المباراة ليرتدي القميص دون حصة تدريبية جامعة؟ إنها الخطيئة الإدارية المستمرة التي تحرق المواهب وتستهلك حماس الجماهير الوفية التي تحتشد في المدرجات بحناجرها ودموعها لتكافأ في كل مرة بأداء ميت وبرود لا يليق بحجم الانتماء.
قد يرى البعض في هذه الخسارة المريرة جرس إنذار مبكر لترتيب الأوراق قبل استحقاقات قارية أوسع لكن التجربة علمتنا أن فاقد الرؤية لا يملك أدوات التصحيح وأن من بنى مسيرته على الحلول الترقيعية والوعود الجوفاء لن ينتج إلا كوارث أشد مرارة.
إن كرتنا الوطنية بحاجة إلى بتر حقيقي لكل أدوات الفشل والفساد الإداري والبدء في مشروع بناء طويل الأمد يعيد الاعتبار للمسابقات المحلية ويمنح الإدارة لأصحاب الاختصاص والكفاءة.
أما الرهان على ذات الوجوه التي أورثتنا الخذلان وانتظار معجزة من رحم الفوضى فليس سوى مضيعة للوقت واستنزاف لما تبقى من كرامة رياضية في وجدان شعب لم يعد يملك ترف الصبر على هذا العبث.



