سوبر أوروبا وسوبر إفريقيا .. بدرالدين الإدريسي | الرياضة نت
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On YoutubeCheck Our Feed

سوبر أوروبا وسوبر إفريقيا .. بدرالدين الإدريسي

ليست كل فكرة تولد من رحم التفكير العميق هي فكرة شيطانية، يجب رجمها بالحجر أو وأدها في التراب..
وكم من فكرة عظيمة ولدت شقية ومنبوذة ولكنها بعد ذلك غيرت وجه العالم.. ألا يقولون أن شقائق النعمان تولد من العتمة؟
ما تواجهه فكرة إطلاق السوبر ليغ الأوروبي اليوم من تنكيل وتبخيس وتقديح، يحرض فعلا على طرح السؤال، ماذا لو نجحت هذه الفكرة الموصوفة اليوم بالنتنة والحقيرة في كسر النمطية التي تعيش عليها كرة القدم وفي إنهاء الخطر المحدق الذي يهدد شعبية كرة القدم وذيوعها بين الناس، بل وفي حقن الموارد المالية المتناقصة بشكل رهيب منذ أن حلت بنا جائحة «كورونا»؟

كأي فكرة ثورية تكسر المألوف وتتمرد على النمطية والرتابة المفضيين للإنكسار، خرج السوبر ليغ الأوروبي الذي يتبناه 12 ناديا من كبار القارة الأوروبية، ليحدث زلزالا داخل المشهد الكروي الأوروبي بل والعالمي، للغايات الرياضية والإقتصادية التي يستهدفها، وأيضا للرجة التي سيحدثها على المنظومة الكروية برمتها، وبخاصة الإنقلاب النوعي الذي سيحدثه على مفاهيم وصاية المؤسسات الدولية والقارية على كرة القدم.

بالطبع لم يكن المشروع المعلن عنه رسميا يوم الأحد الماضي، وليد اللحظة، ولا مرتبطا بالتداعيات الخطيرة لجائحة كورونا التي تتسبب حتى الآن في خسائر فادحة للأندية كبيرها وصغيرها على حد سواء، إنه يعود لما قبل ثمان سنوات، تحديدا لسنة 2013 عندما هزت الأزمة الأخلاقية عرش الفيفا وأحالت العالم لفداحة ما كان يرتكب من جرائم في حق كرة القدم، فساد وتفسخ ومتاجرة بشعة بعرق اللاعبين والأندية.

كانت تلك الأزمة المتفجرة محرضا للأندية الكبرى على الدخول إلى كهوف عميقة، للتحدث بشكل سري عن كارثية الوضع وعن الألم الذي أحدثته كل تلك الفواجع، وكان القرار الذي التف حوله الجميع، هو أن الأندية لا يمكنها أن تساق كقطيع الخرفان نحو المجزرة من دون أن تحرك ساكنا.
وبرغم أنه جرى التمويه على مرامي الحوار المفتوح بين كبار أندية أوروبا، إلا أن الكل أدرك أن هناك ثورة كبرى يتم التخطيط لها، من قبل أندية ترفض أولا الإستغلال البشع للثروات التي تأتي من الفرجة التي تمنحها للجماهير، وتعارض ثانيا الإحتكار للأرباح تحت أي ظرف، وتتطلع ثالثا إلى نمط جديد لإنتاج وتسويق المسابقات لرفع الجاذبية ومضاعفة الإيرادات المالية، وتريد رابعا أن تكون شريكا أساسيا في بناء الإستراتيجيات المستقبلية.

وكان من الطبيعي وقد تعددت الهوامش المفتوحة على الإعلام للإبلاغ رسميا بالنوايا، أن يأخذ الإتحاد الأوروبي لكرة القدم علما بهذه الثورة التي تطبخ على نار هادئة، وأن يستبق بالإنخراط في مسلسل الحوار المفتوح لعله يجعله قاعدة وأساسا لتطوير عصبة أبطال أوروبا، وقد انحسرت إيراداته المالية، بل لم تعد الطريقة التي يتم بها توزيع هذه الإيرادات ترضي الأندية الكبيرة، ما حدث أن اليويفا عامل هذا المشروع من البداية على أنه فقاعة صابون أو هذيان عابر أو تمرد أقلية أنانية ستقمعه أكثرية تنعم بسيادة وحماية مؤسسة اليويفا.

وليس هناك من دليل على أن الإتحاد الأوربي لكرة القدم عامل السوبر ليغ الأوروبي بكثير من التحقير والإستصغار، أكبر من أن سيفيرين رئيس اليويفا سيخرج بتصريحات منفعلة بل ومتهورة وقائمة على فظاظة السلطوية، مع تقديري الكامل لسياقاتها الزمنية الصعبة والخطيرة، لقد ذهب لحد وصف الأندية المؤسسة لهذا الدوري بالأندية القذرة والمتمردة، وتوعدها وكل لاعبيها بأشد العقوبات الرياضية، الإستبعاد والنفي والحرمان من المشاركة في كأس العالم وبطولة أوروبا للأمم، وهذا تنكيل بقيم الوصاية والقيادة التي تستوجب بعضا من اللباقة وكثيرا من الصلابة في مواجهة مواقف بهذه الدرجة من الحرج.

طبعا لن يقف الكثيرون في صف الأندية الداعية لإطلاق السوبر ليغ الأوروبي، إذا ما كانت زاوية الرؤية تستحضر مخاطر الإنشقاق والتمرد والإنتصار الأناني للمصالح الضيقة والخروج عن جادة التكافل والتضامن، وما إلى ذلك من التعبيرات التي تقترن اليوم بموجة الرفض، برغم أن ما يمنحه هذا الدوري من بدائل على مستوى التسويق والإستشهار وبيع حقوق النقل التلفزي وما يعد به من مداخيل مالية تجعل المشارك فيه فقط، ينال تقريبا ما يناله بطل عصبة أبطال أوروبا، بل إن بطله سيتقاضى 400 مليون أورو، بينما لا يتقاضي البطل الحالي لعصبة أبطال أوروبا سوى 120 مليون أورو. 
والمؤكد أن هذه الأندية 12 التي تقود اليوم انقلابا نوعيا وناعما في المشهد الكروي العالمي قبل الأوروبي، لم تصل لنقطة الإفراج رسميا عن مشروعها إلا بعد أن تأكدت من أن الكثير من القوانين المحينة في منظومة أوروبا المتحدة، تحميها من بطش اليويفا والفيفا، بإسم «المنافسة الحرة» وبإسم «حرية الإبتكار» وبإسم التضييق على منطق الوصاية، والمؤكد أيضا أنها حضرت مرافعة قانونية لمواجهة أي تقاضي سيحدث لا محالة بينها وبين الجهاز الوصي على كرة القدم الأوروبية، لذلك سنكون أمام معركة قانونية لا هوادة فيها، نرجو أن يكون الرابح فيها هو كرة القدم، برغم أن الصرح بدأ بالتهاوي نتيجة اشتداد عواصف الرفض ونتيجة انسحاب بعض المتمردين تحت التهديد.

وبالقطع يعنينا كأفارقة هذا الرهج الذي يحدث بأوروبا، فهو يحيلنا على مشهدنا الكروي الإفريقي، على عصبتنا المعطوبة، التي تستهلك كثيرا من الوقت لكي تتقدم خطوات للأمام على مستوى شفافية ونزاهة التنافس، وعلى مستوى احترافية التدبير الرياضي، وبخاصة على مستوى الإيرادات المالية التي لا تشبع النهم، لا نهم الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم ولا نهم الأندية المشاركة، وجميعنا ينتظر «السوبر الإفريقي» الذي قال إينفانتينو أن الفيفا تدعمه، وقال باتريس موتسيبي أنه سيكون من أكبر أولوياته، وتقول السياقات الزمنية والإحتقانات التي يصلنا لهبها، أنه الحجاب الذي سيحمي قارتنا من وصول «الجائحة الكروية المتحورة».

نقلا عن جريدة المنتخب المغربية

التصنيفات: ميادين

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com